" وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا "
يخبر تعالى, عن عقوبته للمكذبين بالحق الذين ردوه, وأعرضوا عنه, أنه يحول بينهم وبين الإيمان فقال: " وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ " الذي فيه الوعظ والتذكير, والهدى والإيمان, والخير, والعلم الكثير.
" جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا " يسترهم عن فهمه حقيقة, وعن التحقق بحقائقه, والانقياد إلى ما يدعو إليه من الخير.
" وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا "
" وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً " أي: أغطية وأغشية, لا يفقهون معها القرآن, بل يسمعونه سماعا تقوم به عليهم الحجة.
" وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا " أي: صمما عن سماعه.
" وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ " داعيا لتوحيده, ناهيا عن الشرك به.
" وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا " من شدة بغضهم له, ومحبتهم لما هم عليه من الباطل.
كما قال تعالى " وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " .
" نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا "
" نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ " أي: إنما منعناهم من الانتفاع عند سماع القرآن, لأننا نعلم أن مقاصدهم سيئة, يريدون أن يعثروا على أقل شيء, ليقدحوا به.
وليس استماعهم لأجل الاسترشاد, وقبول الحق, وإنما هم متعمدون على عدم اتباعه.
ومن كان بهذه الحالة, لم يفده الاستماع شيئا, ولهذا قال: " إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى " أي: متناجين " إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ " في مناجاتهم: " إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا " فإذا كانت هذه مناجاتهم الظالمة فيما بينهم, وقد بنوها على أنه مسحور, فهم جازمون أنهم غير معتبرين لما قال, وأنه يهذى, لا يدري ما يقول.
" انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا "
قال تعالى: " انْظُرْ " متعجبا " كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ " التي هي أضل الأمثال, وأبعدها عن الصواب.
" فُضِّلُوا " في ذلك, أو صارت سببا لضلالهم لأنهم بنوا عليها أمرهم, والمبني على فاسد, أفسد منه.
" فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا " أي: لا يهتدون أي اهتداء, فنصيبهم الضلال المحض, والظلم الصرف
" وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا "
يخبر تعالى عن قول المنكرين للبعث, وتكذيبهم به, واستبعادهم بقولهم: " أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا " أي: أجسادا بالية " أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا " أي: لا يكون ذلك, وهو محال بزعمهم.
فجهلوا أشد الجهل, حيث كذبوا رسول الله, وجحدوا آيات الله, وقاسوا قدرة خالق السماوات والأرض, بقدرهم الضعيفة العاجزة.
فلما رأوا أن هذا ممتنع عليهم, لا يقدرون عليه, جعلوا قدرة الله كذلك.
فسبحان من جعل خلقا من خلقه, يزعمون أنهم أولو العقول والألباب, مثالا في جهل.
أظهر الأشياء, وأجلاها, وأوضحها براهين, وأعلاها ليرى عباده, أنه ما ثم إلا توفيقه وإعانته, أو الهلاك والضلال.
" رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " .
" قل كونوا حجارة أو حديدا "
ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يقول لهؤلاء المنكرين للبعث استبعادا: " قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ " أي: يعظم " فِي صُدُورِكُمْ " لتسلموا بذلك على زعمكم, من أن تنالكم قدرة الله, أو تنفذ فيكم مشيئته.
فإنكم غير معجزين الله, في أي حالة تكونون, وعلى أي وصف تتحولون.
وليس في أنفسكم, تدبير في حالة الحياة, وبعد الممات.
فدعوا التدبير والتصريف, لمن هو على كل شيء قدير, وبكل شيء محيط.
" فَسَيَقُولُونَ " حين تقيم عليهم الحجة في البعث: " مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " فكما فطركم, ولم تكونوا شيئا مذكورا, فإنه سيعيدكم خلقا جديدا " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ " .
" فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ " أي: يهزونها, إنكارا وتعجبا, مما قلت.
" وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ " أي: متى وقت البعث, الذي تزعمه على قولك؟ ولا إقرار منهم لأصل البعث, بل ذلك سفه منهم, وتعجيز.
" قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا " فليس في تعيين وقته فائدة.
وإنما الفائدة والمدار, على تقريره, والإقرار به, وإثباته, وإلا فكما هو آت, فإنه قريب.
" يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا "
" يَوْمَ يَدْعُوكُمْ " للبعث والنشور, وينفخ في الصور " فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ " أي: تنقادون لأمره, ولا تستعصون عليه.
وقوله " بحمده " أي: هو المحمود تعالى, على فعله, ويجزي به العباد, إذا جمعهم ليوم التناد.
" وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا " من سرعة وقوعه, وأن الذي مر عليكم من النعيم, كأنه ما كان.
فهذا الذي يقول عنه المنكرون: " متى هو " ؟ يندمون غاية الندم, عند وروده, ويقال لهم: " هذا الذي كنتم به تكذبون " .
\
" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا "
وهذا من لطفه بعباده, حيث أمرهم بأحسن الأخلاق, والأعمال, والأقوال, الموجبة للسعادة, في الدنيا والآخرة فقال: " وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله, من قراءة, وذكر, وعلم, وأمر بمعروف, ونهي عن منكر, وكلام حسن لطيف, مع الخلق, على اختلاف مراتبهم ومنازلهم.
وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين, فإنه يأمر بإيثار أحسنهما, إن لم يمكن الجمع بينهما.
والقول الحسن, داع لكل خلق جميل, وعمل صالح, فإن من ملك لسانه, ملك جميع أمره.
وقوله: " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ " أي: يسعى بين العباد, بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم.
فدواء هذا, أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة, التي يدعوهم إليها.
وأن يلينوا فيما بينهم, لينقمع الشيطان, الذي ينزغ بينهم, فإنه عدوهم الحقيقي, الذي ينبغي لهم أن يحاربوه, فإنه يدعوهم " ليكونوا من أصحاب السعير " .
وأما إخوانهم, فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم, وسعى في العداوة, فإن الحزم كل الحزم, السعي في ضد عدوهم, وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء, التي يدخل الشيطان من قبلها, فبذلك يطيعون ربهم, ويستقيم أمرهم, ويهدون لرشدهم.
" ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا "
" رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ " من أنفسكم, فلذلك لا يريد لكم إلا ما هو الخير, ولا يأمركم إلا بما فيه مصلحة لكم, وقد تريدون شيئا والخير في عكسه.
" إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ " فيوفق من شاء لأسباب الرحمة, ويخذل من شاء, فيضل عنها, فيستحق العذاب.
" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا " تدبر أمرهم, وتقوم بمجازاتهم, وإنما الله, هو الوكيل, وأنت مبلغ هاد, إلى صراط مستقيم
" وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا "
" وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " من جميع أصناف الخلائق, فيعطي كلا منهم, ما يستحقه, وتقتضيه حكمته, ويفضل بعضهم على بعض, في جميع الخصال الحسية, والمعنوية, كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه, على بعض, بالفضائل, والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم, من الأوصاف الممدوحة, والأخلاق المرضية, والأعمال الصالحة, وكثرة الأتباع, ونزول الكتب على بعضهم, المشتملة على الأحكام الشرعية, والعقائد المرضية.
كما أنزل على داود زبورا, وهو الكتاب المعروف.
فإذا كان تعالى قد فضل بعضهم على بعض, وآتى بعضهم كتبا, فلم ينكر المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم, ما أنزله الله عليه وما فضله به من النبوة والكتاب.
" قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا "
يقول تعالى " قُلْ " للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم, كما يعبدون الله, ويدعونهم كما يدعونه, ملزما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين.
" ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ " آلهة " مِنْ دُونِهِ " فانظروا هل ينفعونكم, أو يدفعون عنكم الضر.
" فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ " من مرض, أو فقر, أو شدة ونحو ذلك, فلا يدفعونه بالكلية.
" وَلَا " يملكون أيضا " تَحْوِيلًا " له من شخص إلى آخر, من شدة إلى ما دونها.
فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله؟ فإنهم لا كمال لهم, ولا فعال نافعة.
فاتخاذهم آلهة نقص في الدين والعقل, وسفه في الرأي.
ومن العجب, أن السفه عند الاعتياد والممارسة, وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول, يراه صاحبه, هو الرأي السديد, والعقل المفيد.
ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة, هو السفه, والأمر المتعجب منه, كما قال المشركون: " أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب " .
" أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا "
ثم أخبر أيضا, أن الذين يعبدونهم من دون الله, في شغل شاغل عنهم, باهتمامهم بالافتقار إلى الله, وابتغاء الوسيلة إليه فقال: " أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ " من الأنبياء والصالحين والملائكة " يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ " أي: يتنافسون في القرب من ربهم, ويبذلون ما يقدرون عليه, من الأعمال الصالحة, المقربة إلى الله تعالى: " وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ " فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب.
" إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا " أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه.
وهذه الأمور الثلاثة, الخوف, والرجاء, والمحبة, التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده, هي الأصل, والمادة في كل خير.
فمن تمت له, تمت له أموره, وإذا خلا القلب منها, ترحلت عنه الخيرات, وأحاطت به الشرور.
وعلامة المحبة, ما ذكره الله, أن يجتهد العبد في كل محل يقربه إلى الله وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله, والنصح فيها, وإيقاعها في أكمل الوجوه المقدور عليها.
فمن زعم أنه يحب الله بغير ذلك, فهو كاذب.
" وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا "
أي: ما من قرية من القرى المكذبة للرسل, إلا, لا بد أن يصيبهم هلاك يوم القيامة, أو عذاب شديد, كتاب كتبه الله, وقضاء أبرمه, لا بد من وقوعه.
فليبادر المكذبون بالإنابة إلى الله, وتصديق رسله, قبل أن تتم عليهم كلمة العذاب, ويحق عليهم القول.
" وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا "
يذكر تعالى رحمته, بعدم إنزاله الآيات, التي اقترحها المكذبون, وأنه ما منعه أن يرسلها, إلا خوفا من تكذيبهم لها.
فإذا كذبوا بها, عاجلهم العقاب, وحل بهم من غير تأخير, كما فعل بالأولين الذين كذبوا بها.
ومن أعظم الآيات, الآية التي أرسلها الله إلى ثمود, وهي الناقة العظيمة الباهرة, التي كانت تصدر عنها جميع القبيلة بأجمعها, ومع ذلك, كذبوا بها, فأصابهم ما قص الله علينا في كتابه.
وهؤلاء كذلك, لو جاءتهم الآيات الكبار, لم يؤمنوا.
فإنه ما منعهم من الإيمان, خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه, هل هو حق أو باطل؟ فإنه قد جاء ومعه من البراهين الكثيرة, بما دل على صحة ما جاء به, الموجب لهداية من طلب الهداية فغيرها مثلها, فلا بد أن يسلكوا بها, ما سلكوا بغيرها, فترك إنزالها والحالة هذه, خير لهم وأنفع.
وقوله: " وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا " أي: لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان, الذي لا يحصل إلا بها.
بل المقصود منها, التخويف والترهيب, ليرتدعوا عن ما هم عليه.
" وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا "
" وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ " علما وقدرة, فليس لهم ملجأ يلجأون إليه, ولا ملاذ, يلوذون به عنه.
وهذا كاف لمن له عقل في الانكفاف عما يكرهه الله الذي أحاط بالناس.
" وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً " أكثر المفسرين على أنها ليلة الإسراء.
" وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ " التي ذكرت " فِي الْقُرْآنِ " وهي شجرة الزقوم, التي تنبت في أصل الجحيم.
والمعنى, إذا كان هذان الأمران, قد صارا فتنة للناس, حتى استلج الكفار بكفرهم, وازداد شرهم, وبعض من كان إيمانه ضعيفا, رجع عنه بسبب أن ما أخبرهم به من الأمور, التي كانت ليلة الإسراء, ومن الإسراء من المسجد الحرام, إلى المسجد الأقصى, كان خارقا للعادة.
والإخبار بوجود شجرة, تنبت في أصل الججججججججججججم أيضا, من الخوارق فهذا الذي أوجب لهم التكذيب.
فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة؟!! أليس ذلك أولى أن يزداد بسببه شرهم؟! فلذلك رحمهم الله وصرفها عنهم.
ومن هنا تعلم أن عدم التصريح في الكتاب والسنة, بذكر الأمور العظيمة, التي حدثت في الأزمنة المتأخرة, أولى وأحسن.
لأن الأمور التي لم يشاهد الناس لها نظيرا, ربما لا تقبلها عقولهم, فيكون ذلك ريبا في قلوب بعض المؤمنين, ومانعا, يمنع من لم يدخل الإسلام, ومنفرا عنه.
بل ذكر الله ألفاظا عامة, تتناول جميع ما يكون, والله أعلم.
" وَنُخَوِّفُهُمْ " بالآيات " فَمَا يَزِيدُهُمْ " التخويف " إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا " وهذا أبلغ ما يكون في التحلي بالشر ومحبته, وبغض الخير وعدم الانقياد له.
" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا "
ينبه تبارك وتعالى عباده, على شدة عداوة الشيطان, وحرصه على إضلالهم, وأنه لما خلق الله آدم, استكبر عن السجود له, و " قَالَ " متكبرا: " أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا " أي من طين, وبزعمه, أنه خير منه, لأنه خلق من نار.
وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل, من عدة أوجه.
" قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا "
فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم " قَالَ " مخاطبا لله: " أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ " أي: لأستأصلنهم بالإضلال, ولأغوينهم " إِلَّا قَلِيلًا " عرف الخبيث, أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه, ويعصيه.
" قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا "
فقال الله له: " اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ " واختارك على ربه ووليه الحق.
" فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا " أي: مدخرا لكم, موفرا جزاء أعمالكم.
" واستفزززززززززززز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا "
ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم فقال: " وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ " ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية.
" وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ " ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله, فهو من خيل الشيطان ورجله.
والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين, الداعي لهم إلى معصية الله, بأقواله وأفعاله.
" وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ " وذلك شامل لكل معصية, تعلقت بأموالهم وأولادهم, من منع الزكاة والكفارات, والحقوق الواجبة وعدم تأديب الأولاد, وتربيتهم على الخير, وترك الشر, وأخذ الأموال بغير حقها, أو وضعها بغير حقها, أو استعمال المكاسب الردية.
بل ذكر كثير من المفسرين, أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد, ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع.
وأنه إذا لم يسم الله في ذلك, شارك فيه الشيطان, كما ورد فيه الحديث.
" وَعِدْهُمْ " الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها, ولهذا قال: " وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا " أي: باطلا مضمحلا, كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة, ويعدهم عليها الأجر, لأنهم يظنون أنهم على الحق.
وقال تعالى: " الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا " .
" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا "
ولما أخبر عما يريد الشيطان أن يفعل بالعباد, وذكر ما يعتصم به من فتنته, وهو عبودية الله, والقيام بالإيمان والتوكل قال: " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ " أي: تسلط وإغواء, بل الله يدفع عنهم - بقيامهم بعبوديته - كل شر, ويحفظهم من الشيطان الرحيم, ويقوم بكفايتهم.
" وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا " لمن توكل عليه, وأدى ما أمر به.
" ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما "
يذكر تعالى: نعمته على العباد, بما سخر لهم من الفلك, والسفن, والمراكب, وألهمهم كيفية صنعتها.
وسخر لها البحر الملتطم, يحملها على ظهره, لينتفع العباد بها في الركوب والحمل للأمتعة, والتجارة.
وهذا من رحمته بعباده, فإنه لم يزل بهم رحيما رءوفا, يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم.
" وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا "
ومن رحمته الدالة على أنه, وحده المعبود, دون ما سواه, أنهم إذا مسهم الضر في البحر, فخافوا من الهلاك, لتراكم الأمواج, ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله, في حال الرخاء من الأحياء, والأموات, فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء, عاجزون عن كشف الضر, وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات, الذي يستغيث به في شدائدها, جميع المخلوقات, وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال.
فلما كشف الله عنهم الضر, ونجاهم إلى البر, ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل, أشركوا به, من لا ينفع, ولا يضر, ولا يعطي, ولا يمنع, وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم.
وهذا من جهل الإنسان وكفره, فإن الإنسان كفور للنعم.
إلا من هدى الله فمن عليه بالعقل السليم, واهتدى إلى الصراط المستقيم.
فإنه يعلم, أن الذي يكشف الشدائد, وينجي من الأهوال, هو الذي يستحق أن يفرد, وتخلص له سائر الأعمال, في الشدة, والرخاء, واليسر والعسر.
وأما من خذل, ووكل إلى عقله الضعيف, فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة, وإنجاءه في كل تلك الحال.
فلما حصلت له النجاة, وزالت عنه المشقة, ظن بجهله, أنه قد أعجز الله ولم يخطر بقلبه, شيء من العواقب الدنيوية, فضلا عن أمور الآخرة.
" أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا "
ولهذا ذكرهم الله بقوله: " أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا " .
أي: فهو على كل شيء قدير, إن شاء أنزل عليكم عذابا, من أسفل منكم بالخسف, أو من فوقكم بالحاصب, وهو: العذاب الذي يحصيهم, فيصبحوا هالكين.
فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر.
" أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا "
وإن ظننتم ذلك, فلستم آمنين من " أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ " أي: ريحا شديدة جدا تقصف ما أتت عليه.
" فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا " أي: تبعة ومطالبة, فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة.
" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا "
وهذا من كرمه عليهم وإحسانه, الذي لا يقادر قدره, حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام.
فكرمهم بالعلم والعقل, وإرسال الرسل, وإنزال الكتب.
وجعل منهم الأولياء والأصفياء, وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة.
" وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ " على الركاب, من الإبل, والبغال, والحمير, والمراكب البرية.
" وَالْبَحْرِ " في السفن والمراكب " وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ " من المآكل والمشارب, والملابس, والمناكح.
فما من طيب تتعلق به حوائجهم, إلا وقد أكرمهم الله به, ويسره لهم غاية التيسير.
" وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا " بما خصهم به من المناقب, وفضلهم به من الفضائل, التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات.
أفلا يقومون بشكر من أولى النعم, ودفع النقم, ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم, بل ربما استعانوا بها على معاصيه.
" يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا "
يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة, وأنه يدعو كل أناس, ومعهم إمامهم وهاديهم, إلى الرشد, وهم: الرسل ونوابهم.
فتعرض كل أمة, ويحضرها رسولهم الذي دعاهم.
وتعرض أعمالهم على الكتاب, الذي يدعو إليه الرسول, هل هي موافقة له أم لا؟ فينقسمون بهذا قسمين.
" فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ " لكونه اتبع إمامه, الهادي إلى صراط مستقيم, واهتدى بكتابه, فكثرت حسناته, وقلت سيئاته " فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ " قراءة سرور وبهجة, على ما يرون فيها, مما يفرحهم ويسرهم.
" وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا " مما عملوه من الحسنات.
" ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا "
" وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ " الدنيا " أَعْمَى " عن الحق, فلم يقبله, ولم ينقد له بل اتبع الضلال.
" فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى " عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا " وَأَضَلُّ سَبِيلًا " فإن الجزاء من جنس العمل, كما تدين تدان.
وفي هذه الآية دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها, هل عملت به أم لا؟ وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي, لم يؤمروا باتباعه, وأن الله لا يعذب أحدا, إلا بعد قيام الحجة عليه, ومخالفته لها, وأن أهل الخير, يعطون كتبهم بأيمانهم ويحصل لهم من الفرح والسرور, شيء عظيم, وأن أهل الشر بعكس ذلك, لأنهم لا يقدرون على قراءة كتبهم, من شدة غمهم, وحزنهم وثبورهم.
" وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا "
يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق, فقال: " وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ " أي: قد كادوا لك أمرا لم يدركوه, وتحيلوا لك, على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك.
فتجيء بما يوافق أهواءهم, وتدع ما أنزل الله إليك.
" وَإِذَا " لو فعلت ما يهوون " لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا " أي حبيبا صفيا, أعز عليهم من أحبابهم, لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق, ومحاسن الآداب, المحببة للقريب والبعيد, والصديق والعدو.
ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك, وينابذوك العداوة, إلا للحق الذي جئت به, لا لذاتك, كما قال الله تعالى " قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ " .
" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا "
" وَ " مع هذا " لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ " على الحق, وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم.
" لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا " من كثرة المعالجة, ومحبتك لهدايتهم.
" إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا "
" إِذًا " لو ركنت إليهم بما يهوون " لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ " .
أي: لأصبناك بعذاب مضاعف, في الدنيا والآخرة, وذلك لكمال نعمة الله عليك, وكمال معرفتك.
" ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " ينقذك مما يحل بك من العذاب, ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر, ومن الشر, فثبتك وهداك الصراط المستقيم, ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه, فله عليك, أتم نعمة, وأبلغ منحة.
" وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا "
" وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا " أي: من بغضهم لمقامك بين أظهرهم, قد كادوا أن يخرجوك من الأرض, ويجلوك عنها.
ولو فعلوا ذلك, لم يلبثوا بعدك إلا قليلا, حتى تحل بهم العقوبة, كما هي سنة الله التي لا تحول ولا تبدل في جميع الأمم.
كل أمة كذبت رسولها, وأخرجته, عاجلها الله بالعقوبة.
ولما مكر به الذين كفروا, وأخرجوه, لم يلبثوا إلا قليلا, حتى أوقع الله بهم بـ " بدر " وقتل صناديدهم, وفض بيضتهم فله الحمد.
وفي هذه الآيات, دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه, وأنه لا يزال متملقا لربه, أن يثبته على الإيمان, ساعيا في كل سبب موصل إلى ذلك, لأن النبي صلى الله عليه وسلم, وهو أكمل الخلق, قال الله له: " وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا " فكيف بغيره؟!! وفيها تذكير الله لرسوله منته عليه, وعصمته من الشر.
فدل ذلك, على أن الله يحب من عباده, أن يتفطنوا لإنعامه عليهم - عند وجود أسباب الشر - بالعصمة منه, والثبات على الإيمان.
وفيها: أنه - بحسب علو مرتبة العبد, وتواتر النعم عليه من الله يعظم, إثمه ويتضاعف جرمه, إذا فعل ما يلام عليه, لأن الله ذكر رسوله لو فعل - وحاشاه من ذلك - بقوله: " إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " .
وفيها أن الله إذا أراد إهلاك أمة, تضاعف جرمها, وعظم وكبر, فيحق عليها القول من الله, فيوقع بها العقاب, كما هي سنته في الأمم, إذا أخرجوا رسولهم.
" أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا "
يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة تامة, ظاهرا, وباطنا في أوقاتها.
" لِدُلُوكِ الشَّمْسِ " أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال.
فيدخل في ذلك, صلاة الظهر, وصلاة العصر.
" إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ " أي: ظلمته, فدخل في ذلك, صلاة المغرب, وصلاة العشاء.
" وَقُرْآنَ الْفَجْرِ " أي: صلاة الفجر, وسميت قرآنا, لمشروعية إطالة القرآن فيها, أطول من غيرها, ولفضل القراءة فيها, حيث شهدها الله, وملائكة الليل والنهار.
ففي هذه الآية, ذكر الأوقات الخمسة; للصلوات المكتوبات, وأن الصلوات الموقعة فيه فرائض, لتخصيصها بالأمر.
ومنها أن الوقت, شرط لصحة الصلاة, وأنه سبب لوجوبها لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات.
وأن الظهر والعصر, يجمعان, والمغرب والعشاء كذلك, للعذر, لأن الله جمع وقتهما جميعا.
وفيه: فضيلة صلاة الفجر, وفضيلة إطالة القراءة فيها, وأن القراءة فيها, ركن, لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها, دل على فرضية ذلك.
" ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا "
وقوله " وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ " أي: صل به في سائر أوقاته.
" نَافِلَةً لَكَ " أي: لتكون صلاة الليل, زيادة لك في علو القدر, ورفع الدرجات.
بخلاف غيرك, فإنها تكون كفارة لسيئاته.
ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك, وعلى المؤمنين.
بخلاف صلاة الليل, فإنها فرض عليك بالخصوص, ولكرامتك على الله أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك, وليكترثوا بك, وتنال بذلك, المقام المحمود, وهو المقام الذي, يحمدك فيه, الأولون والآخرون, مقام الشفاعة العظمى, حين يتشفع الخلائق بآدم, ثم بنوح, ثم إبراهيم, ثم موسى, ثم عيسى.
وكلهم يعتذر ويتأخر عنها, حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم, ليرحمهم الله, من هول الموقف, وكربه.
فيشفع عند ربه, فيشفعه, ويقيمه مقاما, يغبطه به, الأولون والآخرون.
وتكون له المنة على جميع الخلق.
" وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا "
وقوله: " وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ " أي: اجعل مداخلي ومخارجي كلها, في طاعتك, وعلى مرضاتك, وذلك لتضمنها الإخلاص, وموافقتها الأمر.
" وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا " أي: حجة ظاهرة, وبرهانا قاطعا على جميع ما آتيه, وما أذره.
وهذا أعلى حالة, ينزلها الله العبد, أن تكون أحواله كلها خيرا, ومقربة له إلى ربه, وأن يكون له - على كل حالة من أحواله - دليل ظاهر, وذلك متضمن للعلم النافع, والعمل الصالح, للعلم بالمسائل والدلائل.
" وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا "
وقوله: " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ " والحق هو: ما أوحاء الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, فأمره الله أن يقول ويعلن, قد جاء الحق الذي لا يقوم له شيء, وزهق الباطل أي: اضمحل وتلاشى.
" إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " أي: هذا وصف الباطل, ولكنه قد يكون له صولة ورواج, إذا لم يقابله الحق, فعند مجيء الحق, يضمحل الباطل, فلا يبقى له حراك.
ولهذا لا يروج الباطل, إلا في الأزمان, والأمكنه الخالية من العلم بآيات الله وبيناته
يتبع ...