رد: سنن مندثرة
الوضوء عند الغضب
عن أبي هريرة t أن رجلًا قال للنبي r أوصني. قال: «لا تغضب».
تنبيه: أما الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، فهذا واجب وينبغي الانتصار لدين الله، قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30].
والدليل: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله r من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله r هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشة: أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» متفق عليه.
السهوة: كالصفة تكون بين يدي البيت.
والقرام: ستر رقيق، وهتكه: أفسد الصورة التي فيه.
صلاة العيدين
وهي من السنن المؤكدة التي واظب عليها r وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها ويشرع خروج الصبيان والنساء في العيدين للمصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض.
ومن سننها المندثرة استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق والرجوع في طريق آخر. ويُسنّ تأخير الفطر في صلاة عيد الأضحى ليأكل من أضحيته إن كان قد ضحى أما عيد الفطر فيستحب أكل تمرات وتراً قبل الخروج إلى الصلاة.
ملاحظة:
يقع أكثر النساء في محظور شرعي هام يتغافلن عنه مع أهميته، وهو تراصّ صفوفهن وتسويتها، وهذا ملاحظ كثيرًا في صلاة التراويح، وصلاة العيدين، وكل صلاة تؤديها المرأة خاصة في جماعة. قال r: «لتسونّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
تنبيه:
من السنن المندثرة في عيد الأضحى الحرص على ذبح الأضحية في المنزل لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا، وتحري ذوي الحوائج لتوزيع نصيبهم منها.
سنة صيام التطوع
قد يصوم البعض أيام الإثنين والخميس، وقد يحرص البعض على ثلاثة أيام من كل شهر، ولكن من هذا الذي يعرف صيام شعبان إلا من رحم ربي، أو شهر الله المحرم، فضلًا عن صيامهما، حتى أن الناس ينكرون على من يرونه صائمًا في تلك الأيام إذا لم تكن موافقة لأيام صوم.
أذكار الدخول والخروج من المنزل
ولأذكار الصباح والمساء
وكذلك أذكار النوم والاستيقاظ، وركوب الدابة، وغيرها كثير قد فرط في جلها مع أنها سبب للحفظ والوقاية من العين والسحر، وسبب لانشغال اللسان عما يشين من الغيبة والنميمة واللغو من القول، وهي سبب كذلك في ذكر الملائكة لهم عند الله جل وعلا. (وارجعي لكتب الأذكار). ومن الملاحظ كذلك نسياننا (لسيد الاستغفار).
فيا عجبًا لمن عرف الذكر وفضله وآدابه وانصرف عنه ليقضي وقته في السهر والغفلة، فاحذرن أخواتي من عقوبات الغفلة ما ومتن في زمان المهلة، فقد تتحسر النفوس، وتتقطع القلوب على التفريط في الغفلة، ولا سبيل إلى تدارك ما فات، فاغتنموا الحياة والعمل، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41، 42].
إفشاء السلام وآدابه
قد يكون إلقاء السلام أمرًا متعرفًا بين الناس ولكن الذي هجر هو إفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رجلًا سأل رسول الله r أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
كذلك باب السلام على الصبية فعن أنس t، أنه مر على صبيان، فسلم عليهم، وقال كان رسول الله r يفعله. متفق عليه.
سنن التهنئة بالمولود، والزواج، والمرض، والتعزية
وليس المقصود باندثار هذه السنن هي امتناع الناس عن التهنئة أو التعزية، ولكن الذي هجر هنا هو الصيغة التي كان يقولها عليه الصلاة والسلام عند تهنئته بالمولود فكان يقول:
«بارك الله لك، بالموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشده».
كذا عند الزواج كان يقول: «بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما بخير».
وكذا عند التعزية كان يقول: «لله ما أعطى، ولله ما أخذ، وكل شئ عنده بأجل مسمى فاصبر واحتسب».
أما المرض فقد هجر جل الناس كذلك سنة المصطفى rبأنه إذا عاد مريضًا وضع يده على مكان الألم وقال: «أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك» يردده ثلاثًا.
كذلك التداوي بسنن المصطفى r فقد غابت عن أذهان الكثير من أهل الخير فضلًا عن غيرهم، أذكر منها على وجه الاختصار الآتي:
- الرقية: كقراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذات على مكان الألم وذلك قبل تناول أي دواء. كذلك رقية الأولاد لم يعد يفعلها الكثير من الناس.
- التداوي بالعسل والحبة السوداء: فإنهما شفاء من كل داء إلا السام كما قال عليه الصلاة والسلام.
(وقد جربت ذلك بنفسي حيث قمت بأخذ ملعقة من العسل الطبيعي مع ملعقة من الحبة السوداء وتيقظت أثناء أخذها لقوله تعالى في العسل{فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} وقوله r فيهما «دواء من كل داء إلا السام» فوجدت العجب، فجربي إن أحببت).
سنن الطعام
أما هجران سنن الطعام فحدّث بها ولا حرج، كتكثير الأيدي على الطعام، فقد ورد عن رسول الله r أنه قال: «طعام الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية». رواه مسلم.
كذا استحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، والأكل من جانبها، ناهيك عن استقذار الكثير من أخذ اللقمة التي تسقط منه ومسحها وأكلها، فقد ورد عن رسول الله r أنه قال: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة». رواه مسلم.
ولم يكن r يعيب طعامًا، وهذه من السنن المندثرة. فعن أبي هريرة t قال: «ما عاب رسول الله r طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه» متفق عليه.
هجران توقير العلماء والكبار وأهل الفضل
وتقديمهم على غيرهم
قال الله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
فهؤلاء هم أهل الفضل فينبغي توقيرهم، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم، وبتوقيرهم توقر الشريعة، لأنهم حاملوها، وبإهانتهم تهان الشريعة، لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس، ذبت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم، فتضيع الشريعة.
والعالم يعبد الله على بصيرة، ويهدي الناس، ويرفع الله به، والجاهل عالة على غيره لا ينفع نفسه ولا غيره بل إن أفتى ضرّ نفسه وضر غيره، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا يدل على أن صاحب العلم مقدم على غيره، يقدم العالم بكتاب الله ثم بسنة رسول الله r: ولا يقدم من القوم في الأمور الدينية إلا خيرهم وأفضلهم.
فيقدم الأفضل فالأفضل.
الخاتمة
هذه بعض من نماذج السنن التي اندثرت، فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون. فبعد أن فتح الله بابًا واسعًا للأجر الكبير، والفضل العظيم، نولّي عنه هاربين، لا والله لأحافظنّ على سنة النبي المصطفى r ولأحيين سنته ما استطعت، فالله الله يا أمة الإسلام في سنن رسولكم r، فمن لها سواكم؟! أحيوها جهدكم، وأرشدوا الناس إلى العمل بها، فهي عنوان المحبة الكاملة لرسول الله r وعلامة المتابعة الصادقة له عليه الصلاة والسلام.
ولا يجرمنكم شنئآن المتعصبين، ولا تهويل المبطلين المفتونين، فإن السنة اليوم غريبة، معاول الهدم تخدشها من كل جانب، فهي اليوم في أشد الحاجة إلى أبنائها المخلصين، الذين يتحملون في سبيلها المشاق، ويؤثرونها على حظوظ أنفسهم، قائدهم في ذلك الرفق واللين، والمجادلة بالتي هي أحسن.
الله الله يا معاشر أهل السنة في إحياء السنن المهجورة المتروكة، فإن فعلها من أهل الواجبات، فلنشمر عن سواعد الجد، ولننصر هذا الدين، ولندع عنا كل مخذل محارب يقرر خلاف ما نحن عليه من الالتزام بالسنة والعمل بها محتجًا بحجج واهية، فلنعط له ظهرنا، ولنسر قدمًا في إحياء السنن.
- ولنختم حديثنا أخياتي بالمعاهدة منكن على العمل الدائب، وأن نثب وثبة الأسود، ونكثر من اتباع السنة واقتفاء أثرها، واعلمي أن التوفيق حليفك، والعاقبة الحسنى لك متى أخلصت النية لله عز وجل واحتسبت منه وحده الثواب على هذا العمل.
هذا ونسأل الله أن يرحمنا، اللهم ارحم في الدنيا غربتنا، وفي القبر وحشتنا، وارحم موقفنا غدًا بين يديك، اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
منقول من دار الوطن