مائة فائدة من سورة يوسف مع تلاوة نادرة للشيخ/
محمد صالح المنجّد |
الجزء الأول
مقدمة
فهناك عدة أسئلة عن أمور تتعلق بسورة يوسف.
وسنتحدث -إن شاء الله- في هذا الدرس عن بعض الفوائد المأخوذة من هذه السورة، والقصة العظيمة، وهذه السورة تحكي قصة نبي كريم من أنبياء الله ﷺ.وفي هذه القصة: عبر كثيرة جداً، وفوائد ودروس للمؤمنين.
وفيها كذلك: أحكام استنبطها العلماء من هذه القصة التي أوحاها الله إلى نبيه ﷺ.
وتمتاز هذه القصة بجمال الأسلوب إذ ليس عند النصارى ولا عند اليهود في سورة يوسف مثل هذه التفاصيل أبدا.
وهذه القصة يذكر الله ﷺ فيها ما حصل لنبيه يوسف ، فلنأخذ بعض هذه الفوائد من هذه السورة.
الفوائد المستفادة من الآية (1 - 6) من سورة يوسف
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف: 1 - 6].
قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: 7] وذكر قبلها: أنه أرى نبيه يوسف وهو صغير رؤيا عجيبة.
ويؤخذ من هذه القصة:
أولاً: تعاهد الأب أبناءه بالتربية، وتقريبه من عنده استعداد للفهم والعلم والفقه، وخصه بمزيد من العناية؛ لأنه كلما كان الإقبال أكثر من الشخص ينبغي أن يكون العطاء له أكثر.
ثانياً: أن الرؤيا الصالحة من الله، وذلك لأن يوسف رأى رؤيا حق، وأمره أبوه ألا يقص الرؤيا على إخوته.
ثالثاً: أن كتم التحدث بالنعمة للمصلحة جائز، ولذلك قال: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ مع أن الرؤيا نعمة هنا، لكن قال: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا .
إذاً، لو كتم إنسان نعمة الله عليه لم يفشها لئلا يتضرر من الحسد فهذا لا بأس به.وأما التحدث بالنعمة فإنه يكون عند أمن الحسد فيذكر الإنسان نعمة ربه عليه.
رابعاً: أن الشيطان يدخل بين الإخوة فيوغر صدور بعضهم على بعض كونهم أشقاء، فالشيطان يدخل بين الإخوة الأشقاء فيصيرهم أعداء، ويوغر صدور بعضهم على بعض.
خامساً: أن على الأب أن يعدل بين أولاده ما أمكن وأنه لو كان أحد الأولاد يستحق مزيد عناية فإن على الأب ألا يظهر ذلك قدر الإمكان حتى لا يوغر صدور الآخرين.
سادساً: أن الله يجتبي من يشاء من عباده ويصطفي، وهذا الاصطفاء من الله -عز وجل- نعمة فأنت مثلاً تأمل كيف أن الله اصطفاك فلم يجعلك جماداً، بل جعلك إنساناً، تأمل كيف اصطفاك الله فلم يجعلك كافراً، بل جعلك مسلماً، تأمل أن الله لم يجعلك من أهل الكبائر الفسقة المجرمين، أو من أهل البدعة، بل جعلك من أهل السنة.
وإذا لم تكن من أهل الكبائر، فتأمل اصطفاء الله لك بأن جعلك لست من هؤلاء أهل الكبائر، وجعلك من أهل الطاعة والاستقامة والدين.
وإذا كنت طالب علم فالله اصطفاك اصطفاءً آخر بأن جعلك صاحب علم.
وإذا كنت داعية فهذا اصطفاء آخر من الله بأن جعلك لست فقط من أصحاب العلم، بل ممن تدعو إلى هذا العلم وهكذا..
فإذاً، هي اصطفاءات من الله للعباد.
سابعاً: أن البيت الطيب يخرج منه الابن الطيب، انظر إلى قوله: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف: 6].
الفوائد المستفادة من الآية (7 - 10) من سورة يوسف
لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [يوسف: 7 - 10].
ثامناً: أن الغيرة تدفع أصحابها للضرر والإيذاء، فإنهم لما غاروا من أخيهم سعوا في إيذائه.
تاسعاً: أن هذه الغيرة يمكن أن تؤدي إلى الكيد بالقتل، وليس إلى مجرد الإيذاء، فإن هذه القضية قد أوصلتهم إلى أن يسعوا في قتل أخيهم عندما قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ .
عاشراً: أن تبييت التوبة قبل الذنب توبة فاسدة، يعني لو واحد قال: نذنب ثم نتوب، أول ذنب ثم نستقيم، فلنذنب، هذه توبة فاسدة، لماذا؟
قال الله -تعالى-: اقْتُلُوا يُوسُفَ اعملوا الذنب، هذا الاتفاق اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف: 9].
إذاً، هم قالوا: نذنب ثم نتوب وتمشي، هذه توبة فاسدة.فإذاً، تبييت النية بعد الذنب قبل أن يحدث الذنب توبة فاسدة، وما أدراهم أنهم سيستقيموا على الدين والصلاح؟
فبعض الناس الشيطان يقول له: أنت الآن أذنب ثم تتوب وتمشي الأمور.
أنت الآن أذنب ثم تستقيم وتدين وخلاص، هو هذا الذنب وانتهينا.
فينتكس هذا المسكين ويذهب على وجه في المعاصي.
الفوائد المستفادة من الآية (11 - 15) من سورة يوسف
قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّه ُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [يوسف: 11 - 15].
الحادي عشر: أن الإنسان إذا ظن سوءاً بشخص فلا يصلح أن يلقنه حجة؛ لأنهم يستخدموه عليه، ولذلك يعقوب لما قال: وأخاف أن يأكله الذنب هو لقنهم حجة استعملوها بعد ذلك، قال حصل ما تكره وذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا وأكله الذئب.
فإذاً، لا ينبغي للإنسان إذا شك في شخص أن يذكر له كلاماً يمكن أن يستخدمه حجة له.
الثاني عشر: أن الله ثبت يوسف من بدء أمره، فإنه لما كان في البئر: أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}.
لكن متى حصلت هذه التنبئة؟
بعد حين.
الفوائد المستفادة من الآية (16 - 18) من سورة يوسف
وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 16 - 18].
الثالث عشر: أن المتظاهر بالأمر ينكشف أمره لأهل البصيرة ولو استخدم التمثيل، فإنهم جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ، هذه تمثيلية: قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ .
الرابع عشر: مشروعية العمل بالقرائن، فإن يعقوب رأى قميصاً لم تعمل فيه أنياب الذئاب، قميص سليم مغموس بدم، فلو كان أكله الذئب، ما هذا الذئب الذي له ذوق كبير؟ يأتي للولد ويفسخ قميصه ثم يأكله، كيف أكله الذئب والقميص سليم، ما فيه تمزيق، مغموس بدم؟
الخامس عشر: مشروعية المسابقة.
المسابقة تكون على الخيل والسهام: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر [رواه البخاري: ] يعني على الإبل، وعلى الخيل، وفي السهام، هذه الأمور التي تعين على الجهاد.
فكل شيء يعين على الجهاد تجوز المسابقة فيه بجعل، يعني بمقابل.
أما إذا كان ليس من الأمور المعينة على الجهاد ونشر الدين، فلا يجوز السبق به بجائزة.
فصار عندنا المسابقات ثلاثة أنواع: جائز بعوض، وجائز بغير عوض، ومحرم.
جائز بعوض؛ مثل مسابقة السهام، الرمي بالبندقية، على الخيل مسابقة، رمي بالطائرات بالدبابات، يعني بأي وسيلة للرمي؛ لأنه يعين على الجهاد يجوز أن تجعل فيه جوائز.
ابن تيمية -رحمه الله- أدخل فيه المسابقات المعينة على نشر الدين بالجامع المشترك مع الجهاد؛ لأن الجهاد لنشر الدين.
فأيضاً لو عملنا مسابقات تساعد على نشر الدين؛ مثل حفظ القرآن، حفظ السنة، حفظ العلم، فيجوز أن تكون بجعل، يعني بمقابل، بجائزة.
مسابقات النوع الثاني التي تكون بغير جعل؛ مثل مسابقة على الأقدام.
واختلفوا في الغطس، فقال بعضهم: يلحق بالنوع الأول؛ لأنه يعين على الجهاد.
فمسابقة الأقدام تجوز بغير جائزة، بغير مقابل، هذا مثال.
المسابقات المحرمة؛ مثل مناقرة الديكة، مناطحة الأكباش، مصارعة الثيران، هذه مسابقات لا تجوز لا بجائزة ولا بغير جائزة؛ لأن فيها تعذيب للحيوان.
ما حكم الملاكمة؟
لا تجوز؛ لأن فيها ضرباً على الوجه.
فيه مسابقات أخرى غير جائزة؛ لأن فيها كشف عورات مثلاً.
غير جائزة لأن فيها قمار مثلاً.
إذاً، هذه أنواع المسابقات في الشريعة.
إذا كانت تعين على الجهاد ونشر الدين تجوز بجوائز، بمقابل.
إذا كانت مسابقات مباحة؛ مثل الجري تجوز بغير جوائز.
إذا كانت خارجة عن إطار المباح فهي محرمة، وتقدمت أمثلته.
إذاً، قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ [يوسف: 17] مشروعية المسابقة.
السادس عشر: إنباء المشكوك في أمره بذلك لعله يتوب: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف: 18].
السابع عشر: الصبر الجميل.
ما هو وما الفرق بينه وبين الصبر العادي؟
الصبر الجميل، قال العلماء: الذي ليس فيه تشك ولا جزع.
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: 83] يعني يصبر بدون تشكي ولا تسخط.
الفوائد المستفادة من الآية (19 – 22) من سورة يوسف
وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 19 - 22].
الثامن عشر: البشارة بالأمر السار: قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ .
وقد تكون البشارة بالأمر السيئ: فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الإنشقاق: 24].
لكن أكثر ما تستعمل البشارة في الأمر الحسن.
ويجوز إعطاء مقابل لمن بشرك بالخير كما أن كعباً لما جاءه الذي بشره بتوبة الله عليه خلع له قميصه، فأعطاه إياه.
فمن السنة الذي يبشرك يقول: تراك نجحت! جاءك ولد! كذا! أعطاك بشارة بأمر طيب! أنك تكافئه على البشارة بهدية، بأي شيء يطيب نفسه، لقاء ما أدخل السرور على نفسك بالبشارة تدخل السرور عليه.
فقول العامة: هات البشارة، له وجه.
التاسع عشر: أن الشراء يطلق على البيع، قال وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: 20] أيش يعني شروه بثمن؟ يعني باعوه، بثمن بخس.
فكلمة شراء في اللغة تطلق على: الشراء، وتطلق على: البيع أيضاً.
العشرون: أن بيع الحر وأكل ثمنه من الكبائر العظيمة، وهكذا فعل هؤلاء، باعوا حراً وأكلوا ثمنه.
الحادي والعشرون: منة الله على يوسف بأنه جعله يتربى في بيت عز، وليس أن يكون ذليلاً مهاناً، ولذلك قال عزيز مصر لامرأته: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ [يوسف: 21].
الثاني والعشرون: أن الشاب إذا نشأ في طاعة الله فإن الله يؤتيه علماً وحكمة: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 22].
الفوائد المستفادة من الآية (23 – 24) من سورة يوسف
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 23 - 24].
الثالث والعشرون: خطورة الخلوة بالمرأة في البيت: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب}، فهذه الخلوة المحرمة تؤدي إلى المصائب العظيمة.
الرابع والعشرون: كيد المرأة بيوسف، فإنها استعانت عليه بإيقاعه في الحرام بأمور كثيرة:
أولا: راودته هي، لم يبدأ الشر منه وإنما بدأ منها، والمرأة إذا دعت الرجل إلى الحرام غير الرجل إذا دعا المرأة إلى الحرام؛ لأن المرأة إذا دعت الرجل إلى الحرام أسقطت الحواجز النفسية؛ لأن الرجل يخشى إذا دعا المرأة إلى الحرام أن ترفض أو فضيحة أو تستنجد بأهلها، ولذلك قال في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)) لماذا؟ صار هذا الرجل عظيماً في ظل الله؟
لأن الحرام تيسر، صار سهلاً؛ لأنها هي التي دعته.
فما هي وسائل الجذب؟
أولاً: راودته.
ثانياً: هو بيتها، يعني هذا ليس غريباً يشك فيه إذا دخل البيت، هذا يدخل ولا يشك فيه، هُوَ فِي بَيْتِهَا .
ثالثاً: أنها غلقت الأبواب وغاب الرقيب، وهذا أدعى للوقوع في الحرام.
رابعاً: أنها شجعته على ذلك: وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ تعال.
خامساً: أنه كان شاباً، وداعي الزنا عند الشاب أكبر.
سادساً: أنها كانت سيدته لها عليه الأمر والنهي والطاعة.
سابعاً: أنه كان عبداً، وداعي الزنا عند العبد أكبر من الحر؛ لأن الحر يمكن يخشى الفضيحة أكثر من العبد، العبد يُنظر إليه من مستوى أدنى.
ثامناً: أن الرجل كان غريباً عن البلد، والغريب ممكن لا يخشى فضيحة مثل ابن البلد، ويوسف كان غريباً.
تاسعاً: أن المرأة كانت جميلة، وداعي الزنا للجميلة أكبر.
عاشراً: أن المرأة كانت ذات سلطان، فهي تدافع عن حبيبها هذا، فيكون دافع الزنا أكبر.
الحادي عشر: أن زوجها ما عنده غيرة، فهو بالرغم من علمه بما حصل إلا أنه أبقى الحبل على الغارب، ما أخرج يوسف ولا فصله عن زوجته، بل بقي الأمر كما هو عليه، فقط يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ [يوسف: 29]، ولملم الموضوع، وانتهى.
الثاني عشر: أنها استعانت عليه بكيد النسوة، زيادة.
الثالث عشر: أنها هددته بالسجن.
إذاً، صار هناك أسباب كثيرة جداً داعية إلى أنه يزني، ومع ذلك صمد فلم يزن، وبالتالي فإنه بلغ عند الله شأناً عظيماً.
الخامس والعشرون: أن الله -تعالى- يعين أولياءه في اللحظات العصبية بأمور تثبتهم: لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: 24] فهو إذاً كاد لكن برهان من الله أراه إياه جعله ينصرف، فالله يعين وليه في اللحظات العصيبة.
ما هو هذا البرهان؟
قيل: رأى وجه أبيه يعقوب.
قيل: رأى كف يعقوب يمدها هكذا..
وقيل.. وقيل..
لكن ما عليها أدلة.
ولذلك يكفي أن نقول: إنه برهان من الله ليوسف رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ صرفه عن هذا الحرام.
السادس والعشرون: أن الإنسان لولا معونة الله لا يثبت على الحق، لولا توفيق الله وتسديده لا يثبت على الحق: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24].
الفوائد المستفادة من الآية (25 – 29) من سورة يوسف
وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [يوسف: 25 - 29].
السابع والعشرون: أن شهادة القريب على قريبه أقوى من شهادة البعيد على القريب: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا قال ابن عباس: هو رجل كبير ذو لحية.
وهذا أصح مما قيل: إنه صغير، رضيع أنطقه الله.
أما قصة الرضيع فضعيفة، في الشاهد هذا.
والراجح: أنه رجل كبير ذو لحية.
وفيه العمل بالقرائن -كما تقدم- يعني إذا كان قميصه ممزق من الخلف معناها هي التي تطارده وهو يهرب، لو كان قميصه ممزق من الأمام هو يهجم عليها وهي تدافع عن نفسها: فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ .
الثامن والعشرون: عظم كيد المرأة، قال الله -تعالى-: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .
والذي يتأمل كيف أن المرأة هذه حاكت المؤامرة، وغلقت الأبواب، وهيت لك، واستعانت بكيد النسوة، و لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 32] يعني يرى فعلاً كيف المرأة إذا أرادت أن تكيد تكيد.
فهذا شيء خلقه الله واستعظمه: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: 28].
التاسع والعشرون: عظم جمال يوسف الذي أخذ بالألباب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إن يوسف أوتي شطر الحسن نصف جمال العالم ليوسف .
الفوائد المستفادة من الآية (30 – 32) من سورة يوسف
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 30 - 32].
الثلاثون: سرعة سريان الشائعات بين النساء: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ وكالة الأنباء، مجرد ما يطلع خبر بالذات مثل هذا إلا وهو في البلد منتشر: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ دارت الأخبار بسرعة امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ وهذا كيد النساء في بعض، تريد أن ترد الآن، فجمعتهن وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ هو طبعاً خادم في البيت، عبد مستعبد، يطيع، رغماً عنه اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ خرج عليهن، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ انشغلن بجماله عن السكاكين التي تعمل في الأيدي وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وسالت الدماء بدون إحساس.
وهذا يدل على شدة جمال يوسف لدرجة أن ألم تقطيع الأيدي ما عاد يشعرن به أمام رؤية يوسف .
الحادي والثلاثون: أن الملائكة يمتازون بجمال الخلقة، وأن هذا استقر عند الناس، ولذلك النسوة هؤلاء لما رأوا جمال يوسف وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31] فعند الناس مستقر أن الملك جميل الخلقة، والشيطان قبيح جداً.
قيل: إن الجاحظ كان جالساً، الجاحظ هذا من المعتزلة، معتزلي، مبتدع، هذا الجاحظ وإن كان ألف كتباً في الأدب وأديب بارع، لكن في العقيدة منحرف، كان جالساً، فجاءت امرأة مع صائغ، فقالت: مثل هذا وأشارت إلى الجاحظ، ثم انصرفت، فالجاحظ استغرب، فذهب تبعه حتى وصل إلى المحل، دكان الصائغ، قال: ما هذا؟ لماذا أتيتم؟ ولماذا قالت المرأة: مثل هذا؟ قال: هذه امرأة جاءتني، فقالت: اعمل لي حلياً عليه صورة الشيطان، فقلت لها: وما أدراني ما صورة الشيطان حتى أعملها لك؟ قالت: ورائي، فقادتني إليك فقالت: مثل هذا.
فاستقر في أذهان الناس: أن الشيطان شكله قبيح، وأن الملك شكله جميل.
والله قال عن جبريل: ذُو مِرَّةٍ [النجم: 6] جمال.
وقال عن شجرة الزقوم: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات: 65] في القبح.
موقع الشيخ محمد صالح المنجد
يتبع
قد تكوني مهتمة بالمواضيع التالية ايضاً
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| القران الكريم كاملاً بصوت السديس .mp3 - استماع وتحميل | Admin | القرآن الكريم | 9 | 11-01-2019 06:57 PM |
| القران الكريم كاملاً بصوت الحصري 2025 .mp3 - استماع وتحميل | Admin | القرآن الكريم | 8 | 05-10-2018 12:23 AM |
| مصحف الشيخ ماهر المعيقلي كاملاً بجودة عالية mp3 | عاشقة الفردوس | القرآن الكريم | 8 | 17-05-2018 06:53 PM |
| قصة يوسف عليه السلام في القرآن | ضــي القمــر | قصص الانبياء والرسل والصحابه | 4 | 16-07-2017 10:21 AM |
| تحميل القرآن الكريم كاملاً لمشارى راشد mp3 | حبيبة أبوها | القرآن الكريم | 5 | 24-03-2012 04:33 PM |
جميع المشاركات تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع