= صلاح الأسرة ليس داعياً للتساهل في مداخل الشيطان بين الإخوان ..
فيوسف من أهل بيت آتاه الله الحكمة وعُرف صغاره وكباره بتأويل الرؤى،
ولهذا قال يعقوب : ] يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا (5)[
فكأنه علم علمهم بتأويلها فربما نزعهم الشيطان إلى الكيد فأمره بعدم قصها عليهم،
وإذا كان بيتٌ بتلك المثابة قد ينزع بين ذويه الشيطان، وقد يقع فيه من الحسد، فحري
بنا أن نراعي أموراً ربما كانت أجل شأناً من الرؤى بين الأبناء وإن كانوا أهل حكمة
وصلاح حتى لا يجد الشيطان مدخلاً .
= من فوائد يعقوب عليه السلام التربوية حرصه على تربية ابنه على رد الفضل لأهله،
فقال له : ] يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ(6)[فالله هو الذي اجتباه، وهو الذي اصطفاه، وتلك نعمة من أعظم النعم تدفع حلاوتها كل سوء جاء به ابتلاء .
= من الفوائد التربوية قول يعقوب عليه السلام لابنه بعد أن بين له فضل الله عليه
باصطفائه له، وتعليمه تأويل الأحاديث، وإتمام نعمته عليه : ] إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6)[
وفي هذا تعريف له ببعض أسماء الله تعالى وصفاته، وعندما تستقر هذه المعاني
في نفس الصغير، فإنه سيتذكر عند كل ابتلاء أن الله تعالى الذي أحبه فاصطفاه هو
الأعلم والأحكم، وأن ما يمسه من بلاء إنما هو بعلمه وحكمته تعالى، فتطمئن نفسه
ولا يلتجئ لغير العليم الحكيم .
وإذا تأملت قول يعقوب هذا وقارنته بقول يوسف في آخر القصة :
] إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34 )[ بدا لك عظيم أثر صفات ذي الجلال والإكرام في نفس يوسف،
لا سيما تلك التي غرسها الأب في نفس ابنه، فانظر كيف عملت فيه يوم علمها فتعامل مع الحوادث العظام بمقتضى علمه بها .
= من الفوائد التربوية : تنشئة الأولاد على أن إساءة أحدهم قد لا تضره وحده، بل قد تتعداه
إلى بقية جسد الأسرة، كما أن إحسانه كذلك، فمن نزلت به النعمة تعدى أثرها لآله وذويه،
وكذلك من حلت به النقمة؛ ولهذا قال : ] وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ (6)[
وقد تمت النعمة ليوسف عليه السلام فتعدى أثرها آل يعقوب جميعاً، كما أن البلاء الذي نزل
به تعدى أثره لذويه، وهذا التوجيه يُشعر الطفل بالمسؤولية ويُنشّئه على تحملها .
= مسألة مهمة :
إذا أحب أحد ابناً له حباً خاصاً، فعليه أن يُركز على أن سبب الحب هو الصفة التي
تحلى بها هذا الابن لا شخصه؛ حتى يتنافس الأبناء في تحقيق هذه الصفة، كأن يكون
باراً بوالديه، أو فيه صلاح أو تفوق أو غير ذلك، ومثل هذا الكلام يمكن أن يقال كذلك
عند تعدد الزوجات، مع الحرص على العدل لوجوبه .
ولكن على الآباء مراعاة مشاعرهم فلا يُظهروا حباً جماً زائداً لأحد الأبناء دون البقية،
فإن الإخلال بذلك ولو عن غير قصد ربما ولّد إحناً ونجمت عنه عداوات، والصغار
يلحظون من ذلك ما لا يلحظه الكبار، فلا تعزب عنهم البسمة، ولا تغيب النظرة،
ولا يُغفلون الكلمة، فضلاً عن المداعبة والقبلة .
= تأمل تلك الكلمة العظيمة من يعقوب لأبنائه :
] فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18 )[..
فلم تستغرقه اللحظة الحاضرة فلم يشتمهم، أو يضربهم، أو يطردهم، بل صبر عليهم،
واستعان بالله تعالى في معالجة الموقف وحل المشكلة وهو نعم المعين ..
وهذا الموقف يجب أن يستحضره الآباء الذين يستعجلون في تشديد العقوبة على
أبنائهم وطردهم لوقوعهم في خطأ ما، فيتلقفهم أصحاب السوء، والنتيجة انحراف
الأبناء ووقوعهم في جرائم ربما ما كانت لتخطر على بال أحدهم لو بقي في بيت أبيه،
يحوطه برعايته، ويسدده بتوجيهه .
= أهمية الثقة بالله وحسن الظن به ] وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21 )[
وهذا هو سر المسألة، أفلا يثق بالتيسير والتفريج، أفلا يثق بالتمكين والتأييد، من كان هواه
تبعاً لمراد الله الغالب على أمره، اللطيف بعباده، الناصر لأوليائه ؟!..
إننا بحاجة لاستحضار هذه المعاني لنطرد اليأس والتشاؤم من القلوب بعدما تكاثرت جراحات الأمة .
= ] وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ.. (23 )[
تأمل في سمو أسلوب القرآن !!..
مع أن الآية تتعلق بقصة حب أعمى، وشهوة جامحة، إلا أنك تجد العفة أثناء التصوير
الدقيق وتلمس الأدب النظيف الذي يسمو عن السفاسف ويترفع عن الأدناس، فلا ألفاظ
تخدش الحياء، ولا كلمات تُذهب الحشمة ..
فما بال أقوام ينتسبون إلى الأدب لا يجدون سبيلاً لإظهار البراعة إلا بقلة الأدب ؟!!!.
= خطر الخلوة والاختلاط بالنساء :
] وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ.. (23 )[
من وسائل العفة التي تزرعها هذه الآيات في النفوس تعظيم خطر الخلوة بالنساء
الأجنبيات .. فانظر إلى أي مدى بلغ الحد بامرأة العزيز ؟!..
والإسلام حرم الخلوة وشدد في ذلك؛ ليُغلق منافذ الشر، فإن العبد وإن كان خيِّراً لا
يُحدّث نفسه بالحرام، عليه ألا يحوم حول الحمى مخافة أن يرتع فيه، وألا يخالط الريبة
مخافة أن يجسُر ..
وقد تساهل الناس في هذا الزمان في الخلوة بالأقارب، مع أن النبي صلى الله عليه
وسلم بالغ في التحذير من الخلوة بهم فقال : (إياكم والدخول على النساء)
فقال رجل : أفرأيت الحمو ؟.. قال : (الحمو الموت) ..
والأدهى من ذلك خلوة الخدم والسائقين بالأبناء والبنات، فالبعض يتعامل معهم كما
لو كانوا آلات، لا عقول لهم ولا رغبات ولا نزوات، والنتيجة ما نسمعه من رجال
المؤسسات الاجتماعية والهيئات .
= ] كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ.. ( 24 )[
الإخلاص والتوحيد من أعظم أسباب العصمة من الفتن، والنجاة من الشهوات والشبهات، وتحقيقه كافل العفة، ضامن السلامة والعصمة، ومن كمال تحقيقه حفظ أوامر الله ونواهيه .
= الفاحشة إذا فشا أمرها سقط الحياء من إتيانها، وسهلت مقارفتها، بل ربما أصبحت
مخالفتها منكراً في العرف يترتب عليه السجن والعقاب؛ ولهذا جاءت تشريعات الإسلام
مراعية هذا المعنى، حريصة على كبت قالة السوء ومنع فشو الرذيلة، قال الله تعالى :
] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ..[[ النور : 19] قال البخاري : تشيع : تظهر .
= الابتلاء سنة الله في عباده .. يقول تعالى : ] وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان..(36)[
وهذا السجن من الابتلاء الذي هو سنة الله في عباده الصالحين، وفي الحديث :
(أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) فلا تنقم إن نزلت بك نازلة في الله، واصبر
لحكم مولاك، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك فاحمد الله على أن جعل سببه خيراً،
واعلم أنه تجب عليك في تلك الحال عبادة من نوع آخر، فاشغل نفسك بها،
وبعد التمحيص تكون العاقبة للتقوى .
واعلم أيضاً أن اختيار الله للعبد خير من اختياره لنفسه .
= يوسف عليه السلام كان داعية إلى الله بأخلاقه قبل أن يكون داعية بكلامه؛ ولهذا علل السجينان اختياره من بين السجناء ليقصا عليه رؤياهما بقولهما :
] إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ..(36)[والناس يحبون المحسنين، كما أن رب الناس جل وعلا
يحب المحسنين، وكأن الآية تشير بفحواها إلى أن من أسباب تلك الموهبة الربانية
- أعني تأويل الرؤى - الإحسان .
فالإحسان سبب لفتح أبواب الخير للعبد ..
وقد وُصِف يوسف عليه السلام في هذه السورة بالإحسان خمس مرات ..
ولم يجتمع هذا الوصف لأي نبي في سورة واحدة من القرآن إلا ليوسف .
= ] مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ..(38)[ فعادة الأنبياء تعظيم الأمر بالتوحيد،
والنهي عن الشرك، بخلاف من تنكب سبيلهم تراه ثاني عِطفه يظن أنه قد حقق التوحيد،
فإذا أمر آمر به أو نهى عن ضده فلا يظن أبداً أن الكلام متوجه إليه، أو أنه مقصود
مخاطب به، فاللهم رحماك رحماك، إياك نسأل أن ترزقنا تحقيق التوحيد والعناية به،
والحذر من الشرك والحذر منه .
= ] قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ..(44)[ حسم بطانة الملك قضية رؤيا الملك - هكذا بالجهل - بهذه السذاجة واللامبالاة على عظمها !!..
وبتُّوا فيها بهذه السرعة رغم جهلهم الذي لم يخفوه !..
وكان حرياً بهم إذ جهلوا أن يحيلوا على أهل العلم والاختصاص ..
إن عدم اختيار البطانة الصالحة التي تحسن سياسة أمور الدولة، وتحرص على مصالح
الرعية من أضر الأخطار التي يمكن أن تتهدد البلاد .
= ] فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ..(50)[
يوسف عليه السلام لم تستغرقه اللحظة الحاضرة، بل كان يعي هدفه، وكان رشد عقله
قادراً على السيطرة على مشاعره، والتفكير في مآلات الأمور وتبرئة النفس من أي تهمة
لحقت بها، أو ربما تلحق بها مطلب شرعي . وعمد إلى تبرئة جنابه بأعف عبارة
] مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ..(50)[، فلم تكن عفة يوسف عليه السلام تقتصر على
ابتعاده عن المنكرات، بل بلغت عفة لسانه حداً يجعله لا يشير إلى المرأة التي حاولت فتنته،
ثم سجنته هذا السجن الطويل، بل يذكر قرينة تشير إلى القضية دون أن يصرح باتهام أحد، والذي يتجنب الفحش في الكلام لا يمكن أن يقع في فاحش الأفعال .
= بعد أن حصص الحق وظهر أمر الله حصلت النقلة، فإذا بسجين الأمس بين عشية وضحاها يتوجه نحو القصر؛ ليكون شريكاً في الملك
] إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ..(54)[!!..فسبحان من بيده الملك، إذا قضى أمراً فإنما يقول له : كن .. فيكون ..
أوَ بعد ذلك يتطرق اليأس إلى قلوب عرفته ؟!!.. فما بال نفوس بعض المؤمنين امتلأت يأساً ؟!!.. أليس أهلاً لحسن الظن ؟!!.. ألم تجرِ سنته بتداول الأيام بين الناس، وقد حكم أن العاقبة للتقوى ؟!!..
فما أقرب النصر والتمكين لهذه الأمة المستضعفة المسلمة إن نصرت ربها، وراجعت دينها، واستقامت على سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ثم صبرت على التمحيص، عندها يخلق
الأسباب خالق كل شيء كما خلقها ليوسف عليه السلام إنه على كل شيء وكيل .
= قول يوسف عليه السلام : ] اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ..(55)[
وإخباره عن نفسه بذلك ليس هو من التزكية المذمومة التي هي من باب العجب أو الغرور
أو الفخر، فما نُهي عنه هو قصد تزكية النفس، أما ذكر الكلام المنطوي على تزكيةٍ للنفس
لغرض الإخبار بحق لحاجة أو ضرورة يتوصل بها إلى هدف مشروع هو المراد لا أصل
التزكية، فلا حرج فيه، وقد يجوز تبعاً ما لا يسوغ استقلالاً .
= ] يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ..(67)[
خشي يعقوب عليه السلام على أبنائه من العين لكثرة عددهم .. والاحتياط مطلوب،
والأخذ بالأسباب لازم، لكنه لا يغني عن العبد من الله من شيء ..
ويجب الاعتدال في مسألة (العين) فلا يُبالغ فيها حتى يُعاد أي ضرر يحدث إليها، كما يفعل
بعض الناس، ولا تُنكر فالعين حق وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم
قوله : ( العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استُغسلتم فاغسلوا ) ..
ومع ذلك فقد جعل الله عز وجل أسباباً تمنع منها، كأوراد الصباح والمساء، وجعل أسباباً
شرعية أخرى للشفاء منها إذا أصابت .
= ] وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ..(69)[
فيه دليل على جواز التناجي للمصلحة، إن كان المجلس عامراً بأكثر من ثلاثة .
= من الأساليب المهمة في التربية والتعامل مع الناس :
إعطاء المخطئ فرصة ليعود عن خطئه، فيوسف عليه السلام لم يعدهم بالعفو فقط عن
الجاني إذا رد الصواع، بل وعدهم بإعطائهم حمل بعير بدلاً منه، وأكد لهم الوعد
] وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ..(72)[
وفي هذا دليل على أن الغرض ليس اعتراف الجاني، لكن المهم إصلاح ما أفسده وتشجيعه
على التخلص من الذنب .
= قال يوسف عليه السلام لإخوانه : (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده)
ولم يقل : من سرق؛ لأنه يعلم أن أخاه لم يسرق وإن وجد الصواع في رحله، فكان دقيقاً
في عبارته، فهو لم يتهم أخاه كما لم يُثر الشكوك حول قضية السرقة، وإنما وصف القضية
كما رآها الجميع .
= من الظلم أخذ البريء بجريرة قريب ..
فيوسف قال لإخوانه : ] مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ..(79)[
فأخذ الناس بجريرة غيرهم من أشنع الظلم، وهو تعدٍّ على حرمات الله، وهو دأب
الظالمين في كل زمان .
= ] نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاء..(76)[عبر بالفعل المضارع
] نَرْفَعُ [؛ ليفيد الحال والاستقبال إشعاراً بأن تلك سنة الله التي خلت في أوليائه،
وهي السنة التي سيسلك بها من استمسك بشرعه إلى يوم الدين ..
ثم عقب التذييل الأول بتذييل ثانٍ فقال : ] وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ..(76)[
ليشعر بأن رفعة الدرجات متعلقة بالعلم، وليثبت أن أقصى رتبته لله الكبير المتعال؛
ولهذا عبر بالفوقية ليشعر الظاهر بأن كل صاحب علم فوقه عليم هو الله ..
وفي هذه الآية بيان فضيلة العلم ..
= ] فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ..(77)[وهذا سمو في الأخلاق، وضرب
من الإحسان، ومرتبة من مراتب الصبر والصفح ..
ففيها من التنبيه على شيء من أخلاق الأنبياء السامية؛ لنتأسى بهم
] فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه [[ الأنعام : 90 ].. فقد كان يوسف عليه السلام في مقام يسعه فيه
العقاب بحجة السرقة، بل في مقدوره أن يأخذ ولو بغير حجة، لكنه حَلُم فلم يُظهر مجرد
تعليق خطر بباله !!.
= ] فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ( 80) [ينبغي أن تكون الشورى ديدن كل مؤسسة
تريد شكةأن يُكتب لها النجاح ابتداءً من الأسرة وانتهاءً بالدولة ..
إن العقلية الفرعونية ]مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ[[ غافر: 29]
هي التي ضيعت العباد، وأضلت الناس عن سبيل الرشاد .
= ] يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُف( 84) [الأسف والحزن لا ينافي الصبر الجميل الذي لا شكوى
فيه؛ لأنه من باب الإخبار بما في النفس من قبيل قول نبينا صلى الله عليه وسلم :
(وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) .
فلا غضاضة في الحزن، فقد حزن الأنبياء وحزن الصديقون وحزن الصالحون،
قبل وبعد يعقوب عليه السلام .
ولكن لا يسوغ للمحزون وإن كان حزنه مباحاً أن يُخرجه عن حدود الشرع .
= ] إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ( 86) [الفزع إلى الله عز وجل عند نزول المصائب
يربط على القلب ويقرب من الرب، ويخفف من وطأة المصيبة على النفس، وهو دأب
الصالحين في كل زمان، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
= ] وَلَا تَاْيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ( 87) [إذا دخل اليأس والتشاؤم على النفوس أحبطها
وأتعبها وأثقلها، ومن كانت نفسه مهزوزة فأنى له النصر ؟!!..
وخذلان النفس لصاحبها من أول أسباب انتصار عودها .
وأما التفاؤل فيدفع الإنسان لتجاوز المحن، ويحفزه للعمل، ويورثه طمأنينة النفس
وراحة القلب ..
والمتفائل لا يبني من المصيبة سجناً يحبس فيه نفسه، لكنه يتطلع للفرج الذي
يعقب كل ضيق، ولليسر الذي يتبع كل عسر .
= ] قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ( 92) [عفو يوسف عليه السلام في هذا
الموقف وحده درس من أعظم الدروس، إنه عظة وعبرة لأصحاب الأنفس الموتورة،
والأحقاد المستورة، وما نالهم من الأذى معشار ما نال يوسف عليه السلام !!..
ولم يكتفِ بإعلان العفو وترك التقريع حتى استغفر الله لهم .. فهل رأيت أسهل من
أخلاق الأنبياء وألين من عريكتهم ؟!!.
= ] قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ( 95) [عبارة فيها غلظة وخشونة ما كان
لهم أن يوجهوها لأبيهم فضلاً عن نبي !!..
الذي ينبغي إذا رأيت محزوناً .. إذا رأيت مصاباً أن تواسيه وإياك أن تضيف إلى
مصيبته مصيبة وإلى حزنه حزناً ..
حاول أن تساعده وأن تبث التفاؤل في نفسه وأن ترفع من روحه المعنوية حتى
تخفف مصيبته، فإن لم تستطع فكف شرك عنه .
= تأمل في موقف يعقوب عليه السلام مع أبنائه لما قال له أبناؤه :
] يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا( 97) [كيف كان موقفه ؟!!..
هل طردهم ؟!!.. هل عاقبهم ؟!!.. هل عنفهم ؟!!..
بل ما ندّت منه عبارة ولا تفلتت من بين شفتيه لفظة، ثم ها هو يصفح الصفح الجميل
كما صبر الصبر الجميل ] قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي( 98) [..
فما بال بعض الآباء والأمهات والمسؤولين عندما يعثر إنسان أمامهم فيسقط في
خطيئة أو يجيء ذنباً يهوون عليه بسياط اللوم والتثريب ؟!!.. ألا مدوا إليه أيدي
الشفقة !!..
أيها الآباء .. أيتها الأمهات .. أيها القادة .. أيها المسؤولون .. تعاملوا مع الناس
بالشفقة، تعاملوا مع الناس بالرفق، تعاملوا مع الناس بالإحسان، تعاملوا مع الناس
بالرحمة، ولتكن لكم في الأنبياء أسوة .
= ] وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ( 100)[أجمع أهل العلم على أن هذا السجود سجود تحية وإكرام،
وسجود التحية من قبيل تقبيل اليد، غير أنه حُرم في شريعتنا؛ صيانة لجناب التوحيد
وسداً لذريعة الشرك .. وقد نُسخ سجود التحية في شرعنا ونُهي عنه فهو محرم .
= قول يوسف عليه السلام : ] تَوَفَّنِي مُسْلِمًا( 101) [الأظهر فيه أنه ليس بتمنٍ للموت،
فالحال والوقت -وقت لقاء الأبوين- يبعدان هذا، وإنما هو سؤال لحسن الخاتمة والثبات
حتى الممات .
= ] قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( 108)[
مسؤوليتك هي الدعوة والبلاغ، وقل هي طريقي الممتد الذي أسلكه وأثبت عليه،
وهذا يدل على أهمية الاطراد وخطورة الاضطراب .
= ] حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ( 110)[إن مع العسر يسراً،
إن مع العسر يسراً، وإذا كان الأمر كذلك فاصبر للبلايا فحينها يسير، واثبت للرزايا
فأجرها كثير ..
ولا تكن مع الظانين بالله ظن السوء فإن الله أولى بالجميل، ولا تكن من القانطين فإنه
عز ذكره يفرّج عما قليل .
= الفوز الكبير في الآخرة منوط بالثبات على الطريق بعد ولوجها، وليس منوطاً بقطعها ..
والانتصار الحقيقي هو ثبات المرء على منهج الله، وذلك هو الفوز الكبير وإن مات أو
قُتل !..
تأملوا في قصة أصحاب الأخدود ماذا قال الله في وصفهم :
]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ[[ البروج : 11] فهل رأيت في القرآن تعقيباً يصف الله فيه الفوز بهذا الوصف إلا في هذا المقام ؟!.