أو

الدخول بواسطة حسابك بمواقع التواصل

#1

افتراضي وقفات مع سور( البلد-العاديات- الهمزة )والاستماع للشيخ محمد كامل

وقفات مع سور( البلد-العاديات- الهمزة )والاستماع للشيخ محمد كامل

الشيخ محمد كامل سور البلد العاديات الهمزة
دولة التلاوة



وقفات مع سورة البلد


عباد الله نعيش في رحاب سورة البلد كي نرى سوياً كيف هي سنة الله في الابتلاء وفي البناء، عسى أن تكون مثبتة لنا لنصل إلى غايتنا.

1-سنة التعب وبناء البلد

قال الله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 1-4]. أقسم الله تعالى أن الإنسان خلق في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح، إذ تبدأ رحلة المشقة في حياة الإنسان من الخلية الأولى حين تستقر في الرحم لتبدأ معها مسيرة الكبد والكدح، لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء بإذن ربها، وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض إلى جانب ما تذوقه الوالدة من ألم،
وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى يكاد يختنق في مخرجه من الرحم، ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر، يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية،
وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة، ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد، وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة. وعند بروز الأسنان كبد. وعند الخطو الثابت كبد. وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد. ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاقّ، هذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره، وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء، وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف . . وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله، وهذا يكدح لشهوة ونزوة، وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار، وهذا يكدح إلى الجنة . . والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء، وتكون الراحة الكبرى للسعداء. إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا، تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى، وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله.

2- اقتحام المشاق للذود عن البلد

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق: 6-15].

ومن إشارات هذه الآية:

- الأجر على قدر التعب والكبد: ففي الحديث الصحيح: (قالتْ عائشةُ رضي اللهُ عنها : يا رسولَ اللهِ، يَصدُرُ الناسُ بنُسُكَينِ وأَصدُرُ بنُسُكٍ ؟ فقيل لها : انتَظِري، فإذا طَهُرتِ فاخرُجي إلى التَّنعيمِ فأهِلِّي، ثم ائتينا بمكانِ كذا، ولكنَّها على قدْرِ نفقتِك أو نَصَبِك). [ 1 ] أي :ثواب عمرتك على قدر تعبك.

- المشقة اختبار من الله، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].

- المتاعب والمشاق والمحن تجلب معها التيسير والمنح، ففي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا للمؤمنِ لا يقضي اللَّهُ لَهُ شيئًا إلَّا كانَ خيرًا لَهُ). [ 2 ] وفي حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمرِ المؤمنِ . إن أمرَه كلَّه خيرٌ . وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ . إن أصابته سراءُ شكرَ . فكان خيرًا له . وإن أصابته ضراءُ صبر . فكان خيرًا له). [ 3 ]

- تشير سورة البلد وهي تتحدث عن التعب أن بِناء البلد وتشييده يحتاج إلى تعب وكبد مع كره في خوض غمار القتال للذود عن البلد.

- وتشير سورة البلد وقد جاء قبلها سورة الفجر وبعدها سورة الشمس، أن البلد بناؤه بحاجة إلى العمل الجاد من أبنائه منذ الفجر الباكر، وبذل العرق تحت أشعة الشمس، رغم ما في ذلك من كبد.

لقد كابد صحابة رسول الله مع نبيهم أشد المكابدة وواصلوا الليل بالنهار من أجل عمارة الأرض بدين الله، بذلوا الغالي والنفيس، وتركوا أموالهم وديارهم، وبعضهم ترك أهله، وأمضوا هذه الحياة في تعب يتلوه تعب، حتى لاقوا ربهم، وما شكى أحد منهم يوماً، وما سئموا العمل، ولا ملُّوا من طول المدة، ذلك لأنهم علموا أن المدة في هذه الحياة قصيرة مهما طالت، وهاهم بالفعل لاقوا ربهم وارتاحوا من عناء هذه الدنيا ليرتاحوا أبد الأبد في جنة عالية بجوار الفرد الصمد.





وهذا السعي في بناء البلد ربما يدفعنا إلى الخوض واقتحام المشاق والصعوبات والعقبات، {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد:11]. بدأ من الجهاد في سبيل تحرير أرض البلد من الطغاة والبغاة والغلاة والمعتدين، إلى بناء مرافق البلد وحضارته،

قال الشاعر:

ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
فبغير اقتحام المشاق لن نصل إلى بناء البلد، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خاض الغمار في الغزوات لتحرير البلد فقُتل عمه وأصحابه وهو يقتحم تلك الغمار، ولاقى العقبات والمصاعب، وفي قلب المعركة وهو المطلوب الأول يكشف اللثام عن وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم ويقول: (أنا النبيُّ لا كذِبَ ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ). [ 4 ]

ليس هذا فحسب بل خاض غمار المتاعب في بناء مرافق البلد أيضا، فحمل الحجارة مع أصحابه لبناء المسجد، وهم يرتجزون:

اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فهلا خضنا الغمار كما خاضوا، وهلا بذلنا الجهد كما بذلوا.

3- صفة أهل البلد

تعرض سورةُ البلد صورةَ أهلهِ المحبوبةِ عند الله، وأنهم ساعين في الخيرات، من إعتاق الرقاب، وقضاء حاجات الفقراء والأيتام والمساكين، قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11- 16].


إن عمارة البلد تحتاج سعينا فيما يحب ربنا من إطعام الجائعين، والمساكين، وسعينا في فك رقاب المسجونين، وكسر الحصار عن المحاصرين. فهذا الأفعال عمارة لبلدنا وزاد لنا حتى ننجو من عقبات الآخرة، وتنعتق رقابنا من النار.

وختام صفات أهل البلد المحبوبين عن الله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}
إيمان يجمع أهل البلد ويربطهم بأوثق رابطة، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وتواص بالصبر على المتاعب حتى نصل إلى بناء البلد، وتواصوا بالمرحمة في التعامل مع الناس حتى يزدهر هذا البلد، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

اللهم نسألك، بكلماتك في سورة البلد، أن تحرر بلدنا من رجس الأرجاس والأنجاس، وأن تحرر معتقلينا من سجون الطغاة الأوباش، وأن تردنا إلى دينك والمسلمين ردا حسنا جميلا، اجعلنا من أهل الصبر، واجعلنا من الرحماء، والحمد لله رب العالمين.

رابطة خطباء الشام


وقفات مع سور( البلد-العاديات- الهمزة )والاستماع للشيخ محمد كامل

وقفات تربوية مع سورة العاديات



سورة العاديات: هي سورة مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة آيةً، والغريب أنها تتحدَّث عن الجهاد!
اشتملت السورة على ثلاثة موضوعات؛ ولذلك يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1- آيات القسم: مشهد الخيل وهي تجري في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فقد صور الله تعالى هذا المشهد بأدق التفاصيل.
2- جواب القسم: وهو جحود الإنسان وحبه الشديد للدنيا.
3- خاتمة السورة: وعيد وتذكير ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور.
أولًا: آيات القسم الأول:
بدأت السورة بأسلوب قسم؛ فالواو من حروف القسم، والعظيم سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بالشيء العظيم، وهو سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته: المرسلات، الفجر، الضحى، الليل، الشمس؛ وفيها أطول قسم.
وهنا أقسم الله تعالى: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ [العاديات: 1]؛ أي: الجاريات من العَدْو والجري؛ فذكر الوصف ولم يذكر الموصوف، وأشهر التفاسير أنها: الخيل حين تعْدُو بسرعة، والضبح: هو صوت أنفاسها في صدرها عند اشتداد عدوها.
تعلمنا هذه الآية: المسارعة والمسابقة في أبواب الخير؛ تقول لك: تعلم من الخيل في عدوها في سبيل الله الجري والمسارعة في الطاعات وأبواب الخير؛ كما قال تعالى في آيات كثيرة: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿ سَابِقُوا ﴾ [الحديد: 21]، ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148].
قوله: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ [العاديات: 2]؛ أي: النار التي تخرج من أثر احتكاكهن بالحجارة خلال عدوها بسرعة؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ [الواقعة: 71].
تعلمنا هذه الآية: القوة في كل شيء؛ ففيها دليل على قوة الخيل في الجري؛ لدرجة أن اصطكاك حافرها بالصخر يقدح شررًا، وفيه دليل على إقبال راكبها نحو العَدْو.
قوله: ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ [العاديات: 3]؛ أي: يغير أهلها على العدو في وقت الصباح، وهذا أمر أغلبي؛ أي غالبًا ما تكون الإغارة في الصباح، وهذا أحسن ما يكون إغارةً على العدو أن يكون في الصباح؛ لأن العدو غالبًا يكون في غفلة ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كسل وعلى إعياء.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُغِير على قوم في الليل؛ بل ينتظر، فإذا أصبح؛ إن سمع أذانًا كفَّ وإلا أغار.
وفيه أيضًا: البركة في البكور.
قوله: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ [العاديات: 4]؛ أي: فهيجن من الإثارة الغبار بذلك العدو، أو المكان الذي حلت فيه.
تعلمنا هذه الآية: أن يكون لك أثر في كل مكان لخدمة هذا الدين العظيم.
وهذا الغبار له فضل عند الله تعالى، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسهما النار)) ((ولا يجتمع غبار في سبيل الله مع نار جهنم))؛ [رواه البخاري].
قوله: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ [العاديات: 5]؛ أي: فتوسطن براكبهن جموع العدو، وتوسطته؛ بسبب الغبار الذي هيجته، وهذا دليل على أنهم مقدمون على الأعداء، ودليل على شجاعتهم؛ فلم يقفوا على الأطراف؛ ليكون سهلًا للفرار!
ثانيًا: آيات القسم الثاني:
بعد الكلام عن معالي الأمور، وذروة سنام الإسلام، وحال الخيل في أرض الجهاد، وبعد أن أقسم بالأشياء العظيمة لتأكيد هذا الأمر؛ وهو:
قوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6]؛ أي: لكفور جحود لنعم ربه عليه، وهو جواب القسم، وهذا الجواب: أكد بثلاثة مؤكدات: واو القسم، وإن، اللام.
عن الحسن البصري: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ قال: "هو الكفور الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه".
تعلمنا هذه الآية: لا تكن الخيل أفضل منك أيها الإنسان الجحود! وهذا يدعو الإنسان: أن يسأل نفسه: ما هي أحواله من نعم الله تعالى عليه؟
• ما هي صفات الإنسان الكنود؟
1- لا ينظر إلا للمفقود؛ وهذه من أخطر أسباب التعاسة والشقاء: أن ينظر إلى ما ينقصه ولا ينظر إلى ما يملكه! وصدق القائل عن أحوال الناس في هذا الزمان: "الفقر في قلوبهم، ولكن في أيديهم ما يكفيهم".
نعم الله تعالى ليست محصورة في المال؛ فقد تعطى المال وتحرم غيره؛ عن يونس بن عبيد رحمه الله: أن رجلًا شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف، وأنت تشكو الحاجة!".
تأمل معي أخي الحبيب، وسل نفسك هذه الأسئلة؛ لتعرف كثرة نعم الله عليك: ألست اليوم أنت تقوم وحدك؟ وتجلس وحدك؟ وتمشي وحدك؟ وتقضي حوائجك وحدك؟ وتشرب كوب الماء وحدك دون مساعدة أحد؟ وتنظر وتسمع وتتكلم؟ وتنام مرتاحًا ولا تشعر بألم؟ هذه والله نعم حرم منها الكثير من الناس اليوم.
2- ومن صفات الكنود: أنه لا ينظر إلا لما في أيدي الناس، والتوجيه القرآني: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131]، والتوجيه النبوي كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله عليكم)) وفي راوية: ((إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه))، قال عون بن عبدالله رحمه الله: "صحبت الأغنياء فلم أر أحدًا أكثر همًّا مني، أرى دابةً خيرًا من دابتي، وثوبًا خيرًا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت".
3- ومن صفات الكنود: ينسب النعم لغير المنعم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب)).
4- ومن صفات الكنود: عدم شكر النعم، وقد قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].
قوله: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [العاديات: 7]؛ أي: وإن الإنسان على كنوده وجحوده يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، وقيل: الضمير عائد على الله تعالى؛ لكن سياق الآيات يدل على أنه عائد على الإنسان الجحود.
يشهد على ذلك: بأقواله وأفعاله وما يخفيه في صدره؛ فهو كنود بلسانه: بكثرة التشكي وكثرة عبارات التسخط، وإعلان الحاجة والفلس دائمًا، وكنود بقلبة: بكثرة التسخط والاعتراض على قدر الله تعالى، وكنود بأفعاله: لا يظهر نعم الله عليه!
قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]؛ أي: إن الإنسان لأجل حب المال لبخيل ممسك.
والخير: هو المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وسمي المال خيرًا؛ لأنه يفعل به الخير، أو يظن الناس فيه الخير.
ومن شدة حب المال: ربما يظلم، ويعتدي، ويسرق، وغيرها من صور الكسب الحرام!
ومن شدة حب المال: يبخل به، ويبخس الناس حقوقهم!
ولماذا جحد الإنسان نعم ربه؟ لأنه غفل عن الآخرة؛ ولذلك جاءت آيات القسم الثالث: وعيدًا وتذكيرًا لهذا الكنود ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور.
ثالثًا: آيات القسم الثالث:
بعد أن ذكر أحوال المجاهدين، ثم الذين يجحدون ويبخلون، جاء التهديد لهذا الكنود: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾ [العاديات: 9]؛ أي: هذا الإنسان إذا بعث من القبر للحساب والجزاء.
قوله: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [العاديات: 10]؛ أي: واستخرج وأظهر ما في صدره من خير أو شر، فكما أن الأجساد أخرجت، فكذلك ما في الصدور.
تعلمنا هذه الآية: منزلة القلوب، وأهمية الاعتناء بها؛ كما قال: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ [الطارق: 9]؛ ففي الدنيا الأحكام على الظاهر، لكن في الآخرة المعاملة بما في القلوب.
قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: 11]؛ أي: عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه؛ فهذا وعد ووعيد؛ وعد لمن آمن وعمل صالحًا، ووعيد لمن كفر بالله وجحد نعمه! إنسان يقدم ويبذل، والآخر يجحد ويبخل، والله تعالى خبير بهم، ويعلم أحوالهم.
نسأل الله في عليائه أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلِّ اللهم على نبينا محمد.
وقفات مع سور( البلد-العاديات- الهمزة )والاستماع للشيخ محمد كامل
وقفات تربوية مع سورة الهمزة

1- صفات حذَّر منها الله تعالى في سورة الهمزة.
2- بيان شدة عذاب أصحاب هذه الصفات.

الهدف من الخطبة:
التحذير من الهمز واللمز، وحب المال مع الانشغال به، والبخل به.

مقدمة ومدخل للموضوع:
أيها المسلمون عباد الله، نعيش هذه اللحظات مع سورة قصيرة من كتاب الله نتدبر معانيها، ونتفكر في آياتها؛ لعل الله يوقظ قلوبنا بنورها، ويهدي بصائرنا بهدايتها؛ إنها سورة الهمزة، وهي سورة مكية، وعدد آياتها تسع آيات.

يقول الله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: 1 - 9].

فموضوع السورة: التحذير من صفات سيئة؛ وهي السخرية بالآخرين، وحب المال مع الانشغال به والبخل به، وبيان عاقبة ذلك.

ومناسبة السورة لما قبلها، وما بعدها:
قبلها سورة العصر: وتتحدث عن انقسام الناس إلى فريقٍ في خسران وهم أكثر، وفريق من الناجين.

وسورة الهمزة: تتحدث عن أوصاف الذين خسروا: همزة، لمزة، جمع مالًا وعدده، يحسب أن ماله أخلده.

وبعدها سورة الفيل: تتكلم عن نموذج من أولئك الخاسرين، وهو أبرهة الذي جمع مالًا، وحاول أن يهدم الكعبة؛ فأهلكه الله تعالى في الدنيا.

وبدأت السورة بأسلوب الدعاء، وفواتح السور عشرة أنواع: النداء، والثناء، والدعاء، والشرط، والاستفهام، والخبر، والحروف المقطعة، والأمر، والقسم، والتعليل.

وهذه السورة افتتحها الله تعالى بالدعاء؛ كما افتتح سورة المطففين: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [المطففين: 1]، وافتتح سورة المسد: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد: 1].

قوله: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1] بدأت الآية بداية مرعبة؛ حيث ذكر العقاب قبل ذكر الفعل، والويل كلمة وعيد ووبال وتهديد بالعذاب، وقيل: وادٍ في جهنم.

الهمزة: هو الذي يهمز الناس باللسان، واللمزة: هو الذي يهمز الناس بالفعل؛ فهو جمع بين الشرين بلسانه ويده.

وقيل: أنهما بمعنًى واحد.

وقيل: أن الهمز: هو العيب والطعن في الوجه، واللمز: يكون في الغيبة.

تُعلمنا الآية: أن نحفظ ألسنتنا من آفاتها الخطيرة؛ فالآية فيها ذم الذين يسخرون من الناس، والسخرية والاستهزاء من أخطر آفات اللسان؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11]، وفي الحديث: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقِر أخاه المسلم))؛ [رواه مسلم].

ومن صور السخرية والاستهزاء: السخرية من الناس لعيبٍ في خلقتهم وصورتهم؛ وهذا لا يليق بالمؤمن الموقن بأن الله تعالى هو الخالق: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14].

وتأمل خطورة هذا الأمر: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: لقد قلتِ كلمةً لو مُزجت بماء البحر لَمزجته، قالت: وحكيت إنسانًا، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ما يسرني أني حاكيت إنسانًا، ولي كذا وكذا))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني].

ومن صور السخرية والاستهزاء: الاستهزاء بالمقصِّرين المذنبين من المسلمين، فكلنا مذنبون وكلنا مقصرون؛ والله تعالى يقول: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم: 32]؛ أي: لا تمدحوها معجبين بها.

فبعض الناس ينظرون للمذنب نظرةَ احتقار، لكن الصحيح أن تحتقر وتبغض المعصية، لكن لا تحكم عليه بعدم مغفرة؛ ففي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألَّا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له، وأحبطت عملك)).

ولقد كان سلفنا الصالح يحفظون ألسنتهم خوفًا من الوقوع في الإثم، وحذرًا من الوقوع في عيوب أهل العيوب؛ فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه من أشد الناس في ذلك حتى نُقل عنه قوله: "لو سخِرت من كلب، لَخشيتُ أن أكون كلبًا"، وجاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: "لو رأيت رجلًا يرضع شاةً في الطريق فسخرت منه، خفت ألَّا أموت حتى أرضعها"؛ [رواه ابن أبي شيبة]، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يقول: "إني لأرى الشيء مما يُعاب، ما يمنعني من غيبته إلا مخافةَ أن أُبتلى بمثله"، وقال يحيى بن جابر رحمه الله: "ما عاب رجل رجلًا قط بعيب، إلا ابتلاه الله بمثل ذلك العيب".

ثم ذكر وصفًا آخر من أوصافه، وسببًا من أسباب ذلك: جمع الأموال والاغترار بها؛ فقال تعالى: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ [الهمزة: 2]؛ أي: جمع الأموال من الحلال والحرام، وظل يعدها، ويحسبها، ويدوِّنها، ويسجلها، مشغول الليل والنهار بها.

والإنسان قد جُبل على حب المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]، والخير: هو المال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وقال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14].

وفي الحديث الصحيح: ((ولو كان لابن آدم وادٍ، لأحبَّ أن يكون إليه ثانٍ، ولو كان له واديان، لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب)).

ومن شدة حب المال: ربما يقع في الظلم، أو يعتدي، أو يسرق، وغيرها من صور الكسب الحرام، ومن شدة حب المال: قد يبخل به، ويبخس الناس حقوقهم.

والمال هو فتنة هذه الأمة؛ فعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن لكل أمة فتنةً، وفتنة أمتي المال))؛ [رواه أحمد، والترمذي]، وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم، بأفسدَ لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه))؛ [رواه الترمذي]، والمعنى: إن حرص المرء على المال والرياسة والزعامة أكثر فسادًا لدينه من الذئبين للغنم.

ولماذا هذا الانشغال بجمع المال؟ لأنه يحسب أن ماله سيخلده؛ قال تعالى: ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ [الهمزة: 3].

وهذا ظنٌّ ومفهوم خاطئ؛ فإن كثرة جمع الأموال غالبًا لا تقرب إلى الله، بل ربما كانت أعظم الملهيات عن ذكر الله وطاعته والجهاد في سبيله؛ وفي هذا يقول تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37].

وربما كان هذا المال سببًا في طغيانه ونسيانه للآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ [العلق: 6 - 8].

فما هو مصير هؤلاء؟ هذا ما تُجيبنا عليه بقية السورة.

نسأل الله العظيم ألَّا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلَغَ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.

الخطبة الثانية
في بيان شدة عذاب أصحاب هذه الصفات المذمومة:
قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ [الهمزة: 4]، والحطمة: من أسماء جهنم؛ وسُميت بالحطمة لأنها تكسِر العظام وتحطمها.

يساقون إليها سوقًا عنيفًا، فيه زجر وتهديد ووعيد؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ [الطور: 13]، وقال تعالى: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: 86]، وذكر الله تعالى أحوالهم عندما يدخلون فيها: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ﴾ [الإسراء: 97].

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴾ [الهمزة: 5]؛ الاستفهام للتفخيم والتهويل من أمرها.

ثم فسرها بقوله: ﴿ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴾ [الهمزة: 6]؛ فالنار موقدة منذ آلاف السنين، أُوقد عليها ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى اسودَّت؛ فهي سوداء مظلمة.

وقودها من الأحجار والكفار؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]، وقال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 10].

ثم قال تعالى: ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة: 7]، وذكر الفؤاد؛ قالوا: لأن القلب أشد أعضاء البدن حساسيةً وتألمًا، وقيل: معنى تطلع على الأفئدة؛ أي: إنها تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وقيل: لأن النار إذا وصلت للفؤاد أمرها الله تعالى بالكف، وأمر الجسد أن يبدل جلده؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 56].

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: 8، 9]؛ أي مغلقة؛ كما قال تعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: 20]؛ وذلك لتقطع رجاء أهل النار من الخروج منها، فهذا الذي يحسب أن ماله يخلده، سيخلد في النار، أعاذنا الله منها، وقيل: هي سوارٍ يُقيَّد عليها أهل النار.

وعدد أبوابها سبعة أبواب؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ [الحجر: 43، 44].

فإذا دخلوها أُغلقت عليهم، فلا مطمع لهم بالخروج منها؛ كما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة: 37]، وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 22].

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الناجين من النار، وأن يدخلنا الجنة دار الأبرار.




رمضان صالح العجرمي










قد تكوني مهتمة بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى
تحميل القرآن الكريم كاملاً بصيغة (mp3) فتاة أنيقة القرآن الكريم
تفسير سورة العاديات للشيخ عثمان الخميس دوما لك الحمد القرآن الكريم
تفسير سورة العاديات لابن كثير رحمه الله, سورة العاديات مفسره للشيخ ابن كثير وقراءة للشيخ مشاري بن راشد العفاسي جنا حبيبة ماما القرآن الكريم
البلد,حكم عن البلد Nada Ndod حكم واقـوال
الهمزة المتوسطة على الياء والالف والهمزة المتوسطة مفردة على السطر nesrinaaa المرحلة الابتدائية


الساعة الآن 01:40 AM


جميع المشاركات تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع


التسجيل بواسطة حسابك بمواقع التواصل