الأخلاقية. ولعل السرّ في شخصية هذا الأستاذ -الذي يصفه الدكتور عبدُالوهاب المسيري بأنه ظاهرةٌ فريدة في تاريخ الإسلام- هو اتصاله المباشر بالقرآن العظيم، فكره المؤسس على القرآن، واتخاذه القرآنَ مرجعيةً حقيقيةً ونقطة انطلاق؛ فهو ينهل منه مباشرة بلا واسطة، وله اجتهاد خاص في فهم بعض الآيات. ولا يمكن لمن يقرأ بيجوفيتش أن يُخطئ صدى القرآن، وأثره في أطروحاته تصريحا أو إشارة. وهنا كلماتٌ يسيرة حول القرآن في فكر الأستاذ لعلها تكشفُ بعضَ جوانب هذه العلاقة التي طالما استوقفتني؛ لأن مسيرتَه الفكرية والعملية -كما أَفهَمُها- محاولةٌ جادة لتحقيق رؤية قرآنية واقعية في ضوء ظروف معقدة جدا من قِبل شخص لم يكن مفكرا فقط وإنما رئيس دولة كذلك.
صلاة الفجر ليصلي خلف الإمام الذي كان يتلو
سورة الرحمن في الركعة الثانية من
الفجر؛ يصف تلك
الذكريات بقوله: "كانت كلها صورا جميلة مازلت أراها بوضوح من بين ضباب السنين التي مضت"؛ فالقرآن كان حاضرا معه منذ الأيام الأولى، وهو لا ينسى الأثر الجميل الذي تركته فيه
سورة الرحمن. وفي مقال له بعنوان (كيف نقرأ القرآن) يتحدث الأستاذ عن اختلاف أثر القرآن في حياته الشخصية باختلاف مراحله العمرية؛ ففي مقتبل عمره كان يتوقف عند الآيات التي "تتحدث عن العمل و
الجهاد والعدالة"، ثم لما تقدّم به العمر كانت تستحوذ عليه الآيات التي "تتحدث عن الله سبحانه وتعالى، وبهرجة هذه
الدنيا وسرعة زوالها، أي: الآيات التي تحث على التأمل وليس على الحركة". ولما ماتت أمه -رحمها الله- كان لا يفارق سورةَ
الفجر وقولَ الله سبحانه: (يا أيتها
النفس المطمئنة؛ ارجعي إلى ربك)؛ فلم يجد سلوانا خيرا من هذه الآية، وكان يتساءل: "من يمكنه أن يُقَدّم للإنسان كلمةَ عزاء أبلغَ من هذه الكلمات؟"
التاريخ الإسلامي الحديث، وفي واقعنا المعاصر. وللإجابة عن هذا السؤال قدم لنا الأستاذ بعض التّأملات والمسالك المنهجية؛ منها: أولا: أن ننظر للقرآن نظرة كلية، أي أن لا تؤخذ الآيات منفردة عن بقية الآيات ومختزلة عن السياق الكلي للقرآن؛ "لأن القرآن فقط إذا أخذ كاملا يعطينا الحق كاملا"، ولعله هنا يشير إلى قوله سبحانه: (وتؤمنون بالكتاب كله)، وقوله تعالى: (الذين جعلوا القرآن عضين). وثانيا: يرى الأستاذ أن اكتشاف ما يسميه "إشعاع النور القرآني" يتأتى من خلال المداومة على تلاوة
القرآن الكريم مع فواصل زمنية ضرورية؛ "لأن كل قراءة جديدة للقرآن ستكشف لنا شيئا جديدا". وثالثا: فيما يتعلق بتفعيل القرآن في الواقع؛ يرى أنه لابد من مراعاة الظروف التاريخية والسياسية للمجتمعات؛ "ففي المجتمع الذي تُمزقه التفرقة العنصرية تعطى الأولوية للآيات الدالة على مساواة جميع الناس"، وفي المجتمعات التي تنتهك فيها الحقوق؛ لا بد أن يبرز قول الله: (لا إكراه في الدين). ورابعا: لا يغفل الأستاذ أثر
الإيمان في فهم القرآن حيثُ يقول: "فكل إنسان سيجد في القرآن من المعاني بقدر منزلته وإيمانه"، وكلامه هذا إنما هو صدى لقوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله).
تفسير القرآن وكتب
التفسير؛ فنجده يؤكد في خواطر السجن (هروبي إلى الحرية) على أنه لابد من توظيف الحديث لفهم أفضل للقرآن، وعلى أن
تفسير القرآن على مبدأ النفعية= يؤدي إلى انحرافات خطيرة، وأن العمل خير دليل على
الصدق في
تفسير القرآن؛ فالتجربة "المثبتة والمعلنة (العمل) أصدق في
تفسير القرآن ومعانيه من الحديث الذين يمكن أن يكون صدقه موضعَ شك"، ويشير كذلك إلى أهمية الإبداع في
تفسير القرآن؛ فقد كان
تفسير القرآن "حرا منذ البداية، لكن عملية
التفسير الإبداعي (الرأي) تحددت تدريجيا بالسنة والقياس والإجماع [...] حتى تم تجميدها بنظرية إغلاق باب الاجتهاد"، ويذكر في هذا السياق أن "المظهر المميز لركود الأفكار الإسلامية هو ظاهرة كتابة
التفسير على التفاسير [لعله يقصد كثرة الحواشي]، في
الوقت الذي ضاعت فيه في طوايا النسيان الأعمال الأصيلة، والتي كانت موضوعا للتفسير" ، وبالتالي لم يبق هناك "مفسرون كبار للقرآن" وإنما آلاف الحفظة.
الذكر وكانوا قوما بورا)، والفلسفةَ العدمية في سياق: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)، وقيمةَ النية وما يترتب على ذلك من التقاء الفن و
الأخلاق والدين من منظور: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب)، وقدرةَ الإنسان على الاختيار ومبدأ الحرية في إطار: (لا إكراه في الدين)، واستحالةَ المجتمع المثالي مستدلا بقول الله: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو)، كما يوضح لنا -في استنباط جميل- أثر الممارسة
الأخلاقية في تقوية
الإيمان من خلال: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون).
الوقت في السجن مع المجرمين ... أن يتثبت من ذلك" ؛ فكأنه يشير إلى أن المعنى القرآني تؤكده -في نفس القارئ- التجربة، وهذا يُذَكّرُني بكلمة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي: "القرآن كتاب الكون؛ لا تُفسِّره حقَّ
التفسير إلا حوادث الكون. والقرآن كتاب
الدعوة؛ لا تكشف عن حقائقه العليا إلا تصاريف الدهر"، ولعلي أُضيفُ إلى ذلك: التجربة الشخصية.التوقيع لا يظهر للزوار ..
التوقيع لا يظهر للزوار ..
التوقيع لا يظهر للزوار ..
التوقيع لا يظهر للزوار ..
قد تكوني مهتمة بالمواضيع التالية ايضاً
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| كم وردت كلمة .. فى القرآن الكريم ؟ فتوى العلماء في الإجازالعددى في القرآن | أسماء حامد | القرآن الكريم | 26 | 12-11-2019 11:48 AM |
| طريقة إبداعية لحفظ القرآن (1) | ام الزهراء | القرآن الكريم | 23 | 13-03-2019 07:30 PM |
| تكملة قصة حكاية زواج الملك بدر باسم بن | عطور الجنه | قصص - حكايات - روايات | 7 | 11-01-2019 06:52 PM |
| أقوال عن القرآن وفضل قرآئته ،حكم عن القرآن | حڸآۉة آڸرۉح | حكم واقـوال | 7 | 14-03-2017 07:35 PM |
| اجمل ما قيل عن القرآن الكريم | أنٌثًى ٱسًتُثًنٌٱئيّة | القرآن الكريم | 9 | 26-06-2016 08:56 PM |
جميع المشاركات تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع