الثاني والثلاثون: أن المسلم إذا خير بين المعصية وبين الصبر على الشدة يصبر على الشدة، ويؤثر أن يطيع الله ولو رموه بسوء: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .
واستعانة يوسف بالله على مواجهة كيد النسوة وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يعني إنسان ضعيف، يعني يوسف يقول هذا أنه بدون توفيق من الله ضعيف، ممكن المقاومة تنهار وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ فأي واحد يتعرض لحرام المفروض أنه يلجأ إلى الله بالدعاء أن الله يخلصه من هذا، وأنه يصرف عنه الشر، ويصرف عنه الفحشاء.
الثالث والثلاثون: استجابة الله لأوليائه ولدعاء المخلصين: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ يسمع دعاء عبده الْعَلِيمُ بحال هذا العبد الذي يدعوه.
الرابع والثلاثون: أن سيما الصالحين تعرف في وجوههم، اثنان في السجن معهم يوسف، لماذا لجآ إليه؟
هل هما يعرفان يوسف من قبل أنه صاحب علم؟
لا.
هل هما يعرفان يوسف من قبل أنه يعبر أحلاماً؟
لا.
فلماذا لجآ إليه إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 36] يعني عليك سيما الصلاح، وعلامات الصالحين.
فإذاً، أهل الصلاح يظهر عليهم، والناس يحبونهم وينجذبون إليهم، ولذلك قالا: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ هؤلاء اثنين من الكفار: ساقي الملك، وخباز الملك، هؤلاء اثنين من الكفار، والملك كافر، والبلد كافرة، يوسف هو الموحد الآن الموجود، لجآ إليه: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ حالتك وسيرتك وهيئتك وأفعالك أنت شخص من المحسنين، كما يقول العامة: "من أهل الله".
الخامس والثلاثون: أن الداعية إذا أراد أن يلقن ناساً الحق فإنه يجعلهم يثقون به، ويطمئنهم بأنهم قد وقعوا على مليء، يعني كما قالوا: "على الخبير سقطت" إذا جاء واحد سأل: "على الخبير سقطت" يعني أن الآن من تسأله مليء ليجيب: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ قبل الجواب أول شيء: مسألة كسب الثقة، في الدعوة يحتاج الداعية إلى كسب ثقة المدعو ، كسب ثقة المدعو قضية مهمة، بعض المدعوين قد يلجأ إلى داعية، فلازم يكون الداعية مليء، عنده ما يعطيه، يثق به المدعو: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي [يوسف: 37 - 38].
وبدأ بقضية الدعوة للتوحيد، وهي الفائدة
السادسة والثلاثون: أن الداعية أول ما يبدأ بالدعوة للتوحيد.
أرسل معاذاً إلى اليمن قال: أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله .
وهنا يوسف أول شيء بدأ قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ [يوسف: 38] وقال قبلها: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [يوسف: 37] ثم بدأ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39] مع أنهما سألاه عن رؤيا، وينتظران الجواب عن رؤيا، لكن ما كان ليجيب عن الرؤيا قبل أن يعلمهما ما هو أهم.
ولذلك النبي ﷺ لما جاءه أعرابي قال: متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ يعني ما هو الأهم الآن معرفة وقت الساعة وإلا الاستعداد لها؟ فصرف السائل عن الأقل أهمية إلى الشيء الأكبر أهمية، فالأعرابي قال: متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ فصرفه إلى الشيء المطلوب.
هذان سألا عن رؤيا، قبل الرؤيا قال: أنت الآن في شرك وفي كفر، وأدلك على التوحيد: أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، وهكذا..
ولذلك قال العلماء: لا يجوز لمن لا يعرف في تعبير الرؤى أن يتكلم فيها؛ لأنها فتيا، مثل ما واحد يفتي في الحلال والحرام كذلك تعبير الرؤى.
فبعض الناس يقول: أنت قص علي رؤيا وأنا أجرب؟ أيش أجرب إما عندك علم وإلا ما في شيء اسمه أجرب؟ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ .
وذكر الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-: أن الكلام في الرؤى مثل الفتوى، وبغير علم يأثم عليه مثل الفتوى بغير علم.
الفائدة الثامنة والثلاثون: جواز اتخاذ الأسباب الجائزة للنجاة، هذا قال: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: 42] حتى إذا خرج ذكر القصة للملك، الملك يمكن يجري تحقيقاً في الموضوع يخرج بسببه يوسف من السجن بريئاً، لكن الشيطان يسعى للكيد بأولياء الله فأنسى الرجل هذا القصة بعدما طلع من السجن، ويمكن فرح أن صاحبه قتل وهو نجا فأنسته الفرحة القصة القديمة. {وادكر بعد أمة}، {واذتكر بعد أمة} اذتكر أصلا {ادكر} الذال والتاء {اذتكر} متقاربتان، فالتاء ثقيلة بعد الذال، فقلبت دالاً، فصارت {اذدكر}، ما زالت الذل والدال ثقيلتان متتاليتان فادغمت الذال والدال فصارت دالاً مشددة، التشديد دليل على وجود إدغام، أن هناك حرف دخل في حرف {ادكر}
الفائدة التاسعة والثلاثون: أن الرؤيا الصحيحة الحق ممكن يراها الكافر، لكن نادراً، الكافر ممكن يرى رؤيا صحيحة؛ لأن الملك هذا الذي رأى سبع بقرات سمان وسبع سنبلات، هذه رؤيا حق، وتعبيرها فعلاً حصل، ودلت على أن هناك سبع سنوات خصب، ثم سبع سنوات عجاف، ثم سنة، ثم يأتي الفرج.
فممكن الشخص الكافر يرى رؤيا صحيحة، لكن نادراً، إنما أكثر من يرى الرؤى الحق الصحيحة المؤمنون.
الفائدة الأربعون: أن الشخص الذي ذهب ليوسف علمه يوسف من غير مقابل، يعني يوسف ما قال: أخرجوني ثم أخبركم تأويل الرؤيا، فما بذل يوسف العلم بمقابل، بذله بلا مقابل، مباشرة هو لما قال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فتوى فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ [يوسف: 46 - 47] مباشرة.
الفائدة الواحدة والأربعون: أن في هذه الآية من أصول الاقتصاد وحفظ المال ما فيه، لماذا؟
لأنه قال: فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ [يوسف: 47]، وإذا فرط الحب معرض للتلف أكثر من إذا بقي في السنبل، ولذلك قال: فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ؛ لأنه أحفظ.
إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف: 47] إذاً، لا بد من الاحتياط، والأخذ من أيام الرخاء لأيام الشدة.
فالآن تأكلون قليلاً منه والباقي يخزن.
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف: 48] هذه أصول الاقتصاد.
كيف يتم الاقتصاد؟ تخطيط للمستقبل، كيف النبوة فيها تخطيط للمستقبل، ومواجهات الحالات الطارئة؟ كيف السبع السنوات العجاف تأخذ مثلاً من السبع السنوات التي قبلها؟ كيف قضية التخزين؟ وكيف قضية تقسيط الأشياء على كل نصيب؟ كل سنة لها نصيب، بحيث أن ترحيل الأشياء من سنة إلى سنة لكي تحصل سد الحاجة.
الثانية والأربعون: كيف عرف يوسف أنه سيأتي عام رقم خمسة عشر رخاء، يعني قال: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف سبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
فسرها يوسف سبع سنوات رخاء، ثم سبع سنوات شدة، من أين أتى يوسف أنه سيأتي بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون؟
يعني عام خمسة عشر، رقم خمسة عشر، هذا رخاء، فيه مطر والناس يعصرون الزيتون، ويستخرجون الزيت، والسمسم، وإلى آخره، {يعصرون} يعني من الرخاء، يغاث الناس بالمطر.
قيل: إن هذا مما فهمه الله ليوسف وعلمه إياه؛ لأنه لو كان عام رقم خمسة عشر عام جدب وقحط كان ما صارت سبع بقرات هزيلة، وسبع سنبلات يابسة، كان صارت ثمان سنبلات يابسة، وثمان بقرات هزيلة، فلما رأى سبعة ثم سبعة، معناها أكيد الذي بعدها ليس جدب، وإلا صارت ثمانية، فهذا من دقائق الفهم على أية حال: ومما علمه الله ليوسف .
الفائدة الثالثة والأربعون: أن الداعية إلى الله لا يخرج إلا بعد تبرئة ساحته ليخرج إلى المجتمع نظيفاً، يعني الآن سمعة يوسف بين الناس ملطخة بالشائعات بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف: 35]، وأشاعوا عليه التهم الباطلة، وقالوا: إنه راود امرأة العزيز، وكذبوا عليه، فلا بد أولاً أن تثبت تبرئة يوسف أمام الناس.
لا بد من تنظيف السجلات الماضية، وإعادة الأمر ناصعاً، وإحقاق الحق.
ولذلك لما جاء الملك أعجب بالتفسير جداً، -طبعاً- هذه فيها مكانة له، يعني أنه الآن بسبب رؤياه فستكون هناك سياسة لإنقاذ الشعب، فلا شك أنه سر بهذا، فأراد مكافأة يوسف، فلما قال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ما خرج يوسف مباشرة.
والنبي ﷺ تواضع جداً لما قال: يرحم الله أخي يوسف لو يعني لو أني مكانه لأجبت الداعي أول ما يقول: تعال الملك يريدك، أخرج معهم بسرعة، فالنبي ﷺ تواضعاً منه قال هذا.
فيوسف عنده نظرة بعيدة، ليس المهم الآن يطلع من السجن فقط، المهم إصلاح الأخطاء الماضية، واحد مفترى عليه لا بد من إعادة الأمور إلى نصابها، ويصحح الخطأ، ويثبت أنه برئ أمام الناس، وأنه مظلوم، كل هذه السنوات وهو في السجن مظلوم.
هذه العلامة المشهورة للقصة: أن نساءً قطعن أيديهن في مجلس، اشتهرت، قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ [يوسف: 51]، واعترفت امرأة العزيز.
وبالتالي ثبتت براءة يوسف أمام كل الناس.
ولذلك لما الملك طلبه مرة ثانية ازداد نفاسة عند الملك، ازداد منزلة، في المرة الأولى: ائْتُونِي بِهِ المرة الثانية قال الملك: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي تأمل في الفائدة، لو خرج أول مرة، خذ لك مائة ألف ومع السلامة، أنت فسرت الرؤيا خذ، الآن المسألة ما هو فقط مكافأة ومع السلامة، الآن أستخلصه لنفسي، الآن سيكون مقرباً عنده، محظياً، طلباته ملبية، من المقربين: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ [يوسف: 54].