أو

الدخول بواسطة حسابك بمواقع التواصل



https://vb.3dlat.com/showthread.php?t=394358
0 0
#1

افتراضي سوانح تدبرية سورة الفاتحة أيمن الشعبان (2)

سورة الفاتحة |5| مالك يوم الدين


أيمن الشعبان


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].



يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450):
فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.



قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370):
إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.



قال تعالى في سورة الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3)}


أي: مالك الأمور ومدبّرها، وقاضيها يوم المجازاة للعباد على أعمالهم؛ بإثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين، وهو يوم القيامة.
أي: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو المتصرِّف في جميع خلْقِه بالقول والفِعل.

فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:


1- لما وصف الله نفسه بالرحمة، خشية أن يغلبَ الرجاءُ على العبد، نبّه بملكه ليوم الدين، ليدفعه إلى الخوف والعمل، وليوقن أن الجزاء آتٍ على ما قدّم من خير أو شر.


2- لما وصف الله تعالى نفسه بأنه {مالك يوم الدين}، أراد أن يُظهر للعالمين كمال عدله، فقال: {وما ربك بظلام للعبيد}[فصلت: 46]، ثم بيّن صورة هذا العدل فقال: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئًا}[الأنبياء: 47].
فدلّ ذلك على أن حقيقة ملكه ليوم الدين تتجلّى في عدله الكامل، إذ لا يُظلم فيه أحد، ولا يُهضم فيه حق.


3- لما بين اللهُ سبحانه ملكَهُ التام في الدنيا بقوله {رب العالمين} أتبعَ ذلكَ ببيان ملكه التام والمطلق في الآخرة، فقال سبحانه {مالكِ يوم الدين}.


4- {مالكِ يومِ الدين} و{ملِكِ يومِ الدين}: قراءتان سبعيتان متواترتان.


5- “مالك”: هو: المتصرِّفُ بالفِعل في الأشياء المملوكةِ له.


6- “مَلِك”: هو الحيُ المتصرِّف بالقول أمرًا ونهيًا في مَن هو مَلِكٌ عليهم، يأمرُ وينهى ويُطاع.


7- قوله تعالى: {مالك يوم الدين} يتضمن تمجيدًا لله وثناءً عليه، حيث يُظهر عظمة الله وتفرده بالملك والحكم في الآخرة، مما يوجب على المسلم التقديس والتسليم لله.


8- مَن أكثر مِن حمد الله وشكره وعمل بما يرضيه، نجّاه الله برحمته يوم القيامة.


9- لأن الرحمة فضل من الله، بينما الجزاء عدل، وفضل الله سابق؛ لذا قدّم ذكر الرحمة على {يوم الدين}.


10- قال تعالى: {مالك يوم الدين} ولم يقل: “مالك الدين” ليبيّن أن للدين يومًا معينًا يُجزى فيه كل عامل بعمله.


11- قال تعالى: {مالك يوم الدين} ولم يقل: “يوم القيامة” لأن الدين هنا يشير إلى الجزاء والحساب، وهو أنسب للفظ {رب العالمين}.
كما أن القيامة تتضمن أحداثًا لا تتعلق بالجزاء وحده، فبذكر {يوم الدين} يُستحضَر يوم المحاسبة والطاعة والاعتقاد السليم، وهو اليوم الذي يُبرز فيه الدين ويُعظّم. إضافة إلى ذلك، يُظهر المعنى أن الجزاء يكون حسب نقاء دين المرء وعقيدته.


12- إذا قرأ العبد في كل ركعة {مالك يوم الدين}، تذكر الآخرة، فتأهب لها، واستعد للقاء الله، فدفعته الآية للطاعة، وردعته عن المعصية.


13- وإن كان الله يملك الدنيا والآخرة، فقد خُصَّ يوم الدين لأنه لا يشاركه فيه أحد، إذ يزول كل مُلك، ويُعلن: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، فيستوي الخلق جميعًا أمام ملكه، وإذا كان يملك هذا اليوم العظيم، فما سواه أولى وأحرى.


14- خصَّ الله يوم الدين بالملك، مع أنه يملك كل الأيام، ليُظهر عظمة ذلك اليوم، ويُبيِّن أنه يوم الجزاء والحساب، لا حكم فيه إلا لله وحده، ولأن الأملاك يومئذ زائلة، فلا ملك ولا أمر إلا لله سبحانه.


15- من المعاني المهمة التي تغرسها سورة الفاتحة في النفوس، كلما قرأها المصلي، هي عقيدة الإيمان باليوم الآخر، والجزاء، والحساب، والبعث.


16- إن قوله تعالى: {مالك يوم الدين} ليس مجرد خبر عن ملكه سبحانه للآخرة، بل هو نداء للمؤمن أن يعلو فوق شهوات الدنيا، وألا تستهويه رغباتها، أو تأسره أهواؤها، أو يغفل عن آخرته.


17- مَن أيقن أن هناك يومًا يُدان فيه الناس، وأن الله هو مالك ذلك اليوم، لم يركن إلى دنيا زائلة، بل سامى بنفسه إلى ما هو أبقى.


18- المتأمل في قوله تعالى: {مالك يوم الدين}، يجد في نفسه دافعًا عظيمًا للعمل بإخلاصٍ لوجه الله، ويشعر بخشيةٍ تردعه عن كل بغيٍ وظلم، وتمنعه من مقارفة المعصية والإثم.
فإنّ من استحضر ملك الله المطلق ليوم الحساب، لا يرضى أن يلقى ربه وهو مُثقلٌ بالذنوب.


19- هذه الآية تُكسب المؤمنين الطمأنينة لموعود الله، وتمنحهم الصبر والثبات على دين الله، وحينها تطمئن قلوبهم إلى أن هناك حياة أخرى أبدية تستحق منهم أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم لنصرة الحق في سبيل الله.


20- في قوله تعالى: {مالك يوم الدين} تذكيرٌ للعبد بيوم الجزاء، وتحفيز له ليستعد بالعمل لذلك اليوم الذي يُجازى فيه كل عامل بعمله.
فمن أيقن بيوم الدين، لزمه مجاهدة النفس والاستعداد له بالعمل الصالح.


21- قوله تعالى: {يوم الدين} يتضمن إثبات البعث بعد الموت، إذ لا جزاء إلا بعد إحياء الخلق للحساب.


22- الآية تضمنت إثبات الجزاء على أعمال العباد، خيرها وشرها، في يوم الدين.


23- تضمنت الآية تفرد الله بالحكم يوم الدين، حيث يُجازي العباد على أعمالهم، ولا حكم لأحد سواه.






24- تتضمن الآية تسليةً لكل مظلوم قد ضاع حقه، حيث يُقتص له من ظالمه يوم القيامة، ويُظهر أن الجزاء في الدنيا ليس هو الجزاء النهائي. فيقتص الله للعبد بالكلمة والنظرة والضربة، وغير ذلك. فمحكمة الدنيا قد تكون جائرة، أما محكمة الآخرة فهي عادلة.


25- أُثِرَ ذكرُ إلهية الله سبحانه وربوبيته ورحمته وملكه في بداية الفاتحة، لأن هذه الصفات الأربع تتضمن جميع صفات كماله عزَّ وجلَّ.


26- في قوله: {مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} جاء تخصيصُ اليومِ بالإضافة؛ إمَّا لتعظيمه وتهويله، أو لتفرُّده تعالى بنفوذِ الأمر فيه، وانقطاعِ العلائق بين المُلَّاك والأملاك حينئذٍ بالكليَّة.


27- قوله تعالى: {مالك يوم الدين} يدعونا إلى اغتنام الأوقات بالطاعات، فكل لحظة في الحياة فرصة للعمل الصالح، لأن يوم القيامة هو يوم الجزاء، ولن تنفعنا إلا الأعمال التي نُقدّمها في الدنيا.


28- يا أيها الملوك، لا تغتروا بما آتاكم الله من مالٍ وسلطان، فإنكم أسرى في قبضة قدرةِ {مالكِ يومِ الدين}.


29- يا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو {مالك يوم الدين}؟!


30- من تمام أحكام كونه تعالى ملكًا، أنه ملكٌ لا يُشبه ملوك الدنيا؛ فإن ملوكهم إن تصدّقوا أو أنفقوا، نقصت خزائنهم، وقلّ ملكهم.
أما اللهُ عز وجل، فملكُه لا ينقص بالعطاء، ولا تضعف خزائنه بالإحسان، بل هو الغني الحميد، وكلما أعطى عباده ازداد ملكُه جلالًا، وحمدًا، وكمالًا.


سوانح تدبرية سورة الفاتحة أيمن الشعبان (2)

سورة الفاتحة |6| إياك نعبد وإياك نستعين

أيمن الشعبان



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].



إن تأملَ وتدبرَ آيات كتابِ الله عز وجل واستخراج كنوزها والتعرف على أسرارها؛ يعود على العبد بالبركةِ والخيرِ والنفع والهداية وسعادة الدارين.



يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450):
فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.



قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370):
إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.



قال تعالى في سورة الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4)}


أي: إنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة، فلا نعبد إلا إياك ولا نستعين
إلا بك.



فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:


1- هذه الآية “آية العبودية” قاعدة السورة، فما قبلها مقدمةُ حمدٍ وثناء، وما بعدها خاتمةُ سؤالٍ ودعاء.


2- هذه الآية هي سرُّ العبودية، ومفتاحُ السعادة في الدنيا والآخرة، وهي قلب سورة الفاتحة، فرغم قِصر كلماتها ووجازة ألفاظها، إلا أنها تحمل في طيّاتها معانيَ عظيمة، ومقاصدَ جليلة.


3- في هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده.


4- في الآية شفاءُ القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء.


5- يقول ابن القيم: وَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَهَى إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ.


6- يقول ابن القيم: هي متضمنة لأجلِّ الغايات وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته.


7- العبودية هي الغاية التي من أجلها خلقَ اللهُ الخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.


8- العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة.


9- للعبودية ركنان أساسان لا تقوم إلا بهما وهما: الذل والمحبة.


10- الاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.


11- كلما كان العبدُ أتمَ عبوديةً كانت الإعانةُ من الله له أعظم.


12- لا يزال العبد مفتقرا إلى إخلاص التوحيد لربه عبادةً واستعانة؛ لأن الشيطان لا ينفك يزين له الشرك، ونفسه لا تفتأ تدعوه إلى طاعته واتباعه.


13- العبد لا يمكن أن يعبد الله حقًا إلا إذا أعانه الله، ولا يعينه الله إلا إذا لجأ إليه، فهما متلازمان.



14- عبادة الله تعالى لا تتهيأ إلا بمعونته، والهداية إليه لا تكون إلا بتوفيقه، فيا أيها العبد الضعيف: اعتقد عجزك، واستشعر افتقارك، واعتصم بحول الله وقوته.


15- في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} جاء التعبير بصيغة الجمع لا المفرد، فلم يقل: “أعبد وأستعين”، وذلك لحكمٍ عظيمة:

أولا:
إشارة إلى الوحدة والائتلاف، وأهمية الجماعة في الإسلام، فالصلاة جماعة.



ثانيا:
الشعور بأن الصلاة قد بنيت على الاجتماع.



ثالثا:
المقام عظيم، لا يقوم به الفرد وحده، فناسبه الجمع.



رابعا:
تحقيق العبودية والاستعانة لله يرفع العبد، ويمنحه الشرف الحقيقي.



خامسا:
وفيه تعظيم أبلغ، فكأنك تقول: “نحن جميعًا يا رب عبيدك، نعبدك ونعظمك” لا “أنا وحدي”.



سادسا:
تعليم أدب الدعاء، بأن لا ينفرد العبد بنفسه، بل يستحضر الأمة كلها.



سابعا:
تذكير بأن العبد ليس وحيدًا في الطريق إلى الله، بل هو مع جماعة المؤمنين.


16- قال ابن القيم في مدارج السالكين: وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ.


17- في هذه الآية أنفع الدعاء للعبد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.


18- وصف العبودية هو أشرف، وأرفع، وأعلى، وأعظم الأوصاف التي يمكن أن يُوصَف بها العبد.


19- من أسرار قوله تعالى: {إياك نعبد}، أن فيه تبرؤًا تامًا من الشرك، لأن العبادة لا تُصرف إلا لله وحده، لا شريك له.
فكأن العبد يقول: “لا أعبد سواك يا رب، ولا أتوجه إلا إليك”.


20- في قوله: {وإياك نستعين}، تبرؤ من الطول، ومن الحول والقوة، واعتماد كامل على الله، في كل صغيرة وكبيرة.
كأن العبد يعترف: “لا أقدر على شيء من طاعتك ولا ديني ولا دنياي إلا بعونك يا الله”.


21- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: آيةٌ عظيمة تُحقق للعبد الكمال البشري، الجامع بين العلم والعمل، بين العبادة والاعتماد، بين الصدق والتواضع.


22- العبادة وحدها قد تُصيّبها آفة الرياء، فجاء قوله: “إيَّاك نعبد” ليُصفِّيها من شوائب الشرك ويُخلِص الوجهة لله وحده.


23- العلم قد يصيبه الغرور والكبر، فجاء: “وإياك نستعين” ليُذكّر العبد أن لا حول له ولا قوة إلا بالله، وأنه مفتقر لربه في كل شيء.


24- تهدم هذه الآية آفتين من أعظم ما يُفسد القلوب: الرياء والكِبْر، وتبني مكانهما الإخلاص في العبادة والافتقار في الاستعانة.

قال ابن القيم في مدارج السالكين: وَكَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة: 5] تَدْفَعُ الرِّيَاءَ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة: 5] تَدْفَعُ الْكِبْرِيَاءَ.


25- مَن فهم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} حقَّ الفهم؛ سار إلى الله بقلبٍ خاشع، وعقلٍ خاضع، وروحٍ مخلصة.


26- من أعجب الأمور أن يقرأ العبد في كل ركعة من صلاته {إياك نعبد وإياك نستعين} ثم يتزين بها لخلقه!


27- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تحقيق لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، و{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تحقيق لكلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله).
فـ (لا إله إلا الله) فيها إفراد الله بالعبادة، و(لا حول ولا قوة إلا بالله) فيها إفراد الله بالاستعانة.


28- لم يُذكر “المستعان عليه” ولم يُحَدَّد ليَعُم كل شيء.
أي: نستعين بك يا ربنا على كل شيء، صغير أو كبير، ديني أو دنيوي، ظاهر أو باطن.


29- لم تُذكر نوع العبادة في قوله تعالى: {إياك نعبد} لشمول كل أنواع العبادات بلا استثناء.


30- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تشير إلى قضية مهمة جداً في حياة المسلم؛ هي وضوح الهدف، و{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تشير إلى الحاجة لمعرفة الطريق والوسيلة الموصلة إليه.
فكم مرة نظرت لهدفك ووسائل تحقيقه؟


31- من أجْلِ العبودية قامت السموات والأرض وخُلقت البشرية، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}[الذاريات: 56-58].


32- في هذه الآية اجتمع الدين كله، قال شيخ الإسلام: فالله قد جمع بَين الْعِبَادَة والتوكل فِي عدَّة مَوَاضِع؛ لِأَن هذَيْن يجمعان الدّين كُله.


33- النتيجة الحتمية لمحبتك ورجائك وخوفك هي قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}:
{الحمد لله رب العالمين} تورث المحبة.
{الرحمن الرحيم} تورث الرجاء.
{مالك يوم الدين} تورث الخوف.
والنتيجة: {إياك نعبد وإياك نستعين}.


34- {إياك نعبد} إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي.


35- {إياك نستعين} إشارة إلى ما اقتضته الربوبية، من التوكل والتفويض والتسليم.


36- كتبَ الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز: لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ. (تفسير ابن رجب 1/74).


37- من كلامِ بعضِ السلفِ: يا ربِّ عَجبتُ لمن يعرفك كيفَ يرجُو غيرَك، عجبتُ لمن يعرفُك كيفَ يستعينُ بغيرِكَ. (تفسير ابن رجب 1/74).


38- إذا قال العبد: {إياك نعبد}، فليعلم أنه يُعلن بذلك انقيادَه التام، وتسليمَه الكامل لربه؛ إذ العبادة لا تقتصر على ركوع وسجود، بل تشمل أن يكون سعيه، وحياته، ومماته، وأدقّ شؤونه، وقفًا لله وحده، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162].


39- مثل قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}، ما ورد في قوله سبحانه: {فاعبده وتوكل عليه}، وفي قوله: {عليه توكلت وإليه أنيب}.


40- تقديم المفعول به “إياك” على الفعل في الموضعين في الآية الكريمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} له عدة حِكَمٍ بلاغية ودلالية مهمة، منها:

أولا:
للاهتمام بتقديم حقه سبحانه على حق عبده؛ حتى يتذكر العبد أن المقصود بالعبادة هو الله، وأيضا هو وحده المستعان.



ثانيا:
التقديم هنا يفيد الحصر والقصر والاختصاص، أي أن العبادة والاستعانة تكون لله وحده لا شريك له. والمعنى: “لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك”.



ثالثا:
للتشريف والتعظيم والتقديس؛ لئلا يتقدمَ ذكرُ العبد والعبادة على المعبود، كقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}، ولئلا يتقدمَ ذكرُ الاستعانة والمستعين على المستعان به، كقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.



رابعا:
للتنبيه والتوكيد، فتقديم المفعول به يُثير انتباه السامع ويُؤكِّد عليه، فكأنه يقول: “أنت – يا رب – المقصود بالعبادة والاستعانة دون سواك”.


41- تكرار الضميرُ “إياك” مرة أخرى في قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} له ثلاثة أهداف رئيسية:

أولا:
للاهتمام والتأكيد على الحصر، لإفادة أن العبادة والاستعانة لله وحده لا شريك له.



ثانيا:
الفصل بين مقام العبادة التي هي خضوع لله، ومقام الاستعانة التي هي طلب العون، فكلٌ يحتاج تأكيداً مستقلا.



ثالثا:
قطع الشرك الخفي؛ لئلا يظن أحد أن العبادة لله لكن الاستعانة قد تكون بغيره.


42- لأهمية الاستعانة ذُكرت بعد العبادة مع دخولها فيها.


43- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى.


44- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم العموم على الخصوص.


45- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لتقديمُ حقه تعالى على حق عباده وحاجتهم؛ لأن العبادة حق الله والاستعانة حق العبد، فحق الله مقدم على حق العبد.


46- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن العبادة هي المقصودة والغاية والاستعانة هي الوسيلة لتلك العبادة.


47- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ من تقديم الأهم على المهم.


48- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ للتلازم بينهما، كما قال سبحانه: {سبعاً من المثاني}؛ والعبادة والاستعانة مثاني، وهما متلازمتان فلا عبادة إلا باستعانة، ولا يحصلُ العون للعبد من الله بدون عبادته.


49- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأنه بهما يتحقق الإيمان، وتحصلُ السعادة الأبدية والنجاة من جميع الشرور.


50- {إياك نعبد} متعلق بألوهيته، {وإياك نستعين} متعلق بربوبيته، فقدم قسم الرب على قسم العبد.


51- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكلُ عابد عبادة تامة مستعين به، ولا ينعكس لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم.


52- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له.


53- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص.


54- في قوله {إياك نعبد وإياك نستعين}، بعد الآيات الثلاث الأولى التفاتٌ من الغَيْبَةِ إلى الخطاب؛ لما فيه من التنبيه للمستمع؛ وأنه أدعى للإصغاء وأبعث على النشاط، بخلاف ما لو كان على وتيرة ونمط واحد.


55- هذه الآية هي أقوى مناجاة بين العبد وربه، حيث يقرّ العبد بالعبودية المطلقة لله، والافتقار الكامل إليه.


56- هذه الآية مختصر الإيمان، فمن حققها بقلبه وعمله، فقد أدرك لبَّ العبودية.


57- التوازن بين العمل والتوكل؛ الذي هو سِرّ النجاح في الدين والدنيا، فليس العبد متواكلًا ولا معتدًا بنفسه.


“نعبد” تدل على العمل، وبذل الجهد، والتكليف، و “نستعين” تدل على التوكل، والثقة، والاعتماد على الله.


58- عند مواجهة الصعوبات، تذكّر: “نستعين”، فهي باب الفرج.


59- أن كل عمل لا يُعين الله -تبارك وتعالى- عليه العبد، لا يمكن أن يكون، وأن كل عمل لا يُتوجه به إلى الله، ولا يُطلب به ما عند الله، فإنه لا ينفع، بل يبطل ويضمحل ويتلاشى.


60- حينما تتحول الاهتمامات إلى إقامة هذه الدنيا الفانية، والتهافت عليها، والتركيز على ذلك، فهذا خلاف الغاية والمقصود الذي هو العبادة.



موقع الشيخ أيمن الشعبان





قد تكوني مهتمة بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى
القران الكريم كاملاً بصوت السديس .mp3 - استماع وتحميل Admin القرآن الكريم
القران الكريم كاملاً بصوت الحصري 2025 .mp3 - استماع وتحميل Admin القرآن الكريم
مصحف الشيخ ماهر المعيقلي كاملاً بجودة عالية mp3 عاشقة الفردوس القرآن الكريم
تحميل القرآن الكريم كاملا بصوت العجمى mp3 حبيبة أبوها القرآن الكريم
تحميل المصحف المجود للقارئ محمد صديق المنشاوى رحمه الله mp3 حبيبة أبوها القرآن الكريم


الساعة الآن 10:33 PM


جميع المشاركات تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع


التسجيل بواسطة حسابك بمواقع التواصل