من صور الثبات...
1ـ الثبات على الحق :
من المعلوم أن طريق الحق هو طريق الأنبياء والرسل وهذا الطريق ليس ممهدا ولا مفروشاً بالورود والرياحين وإنما طريق مليء بالعقبات والابتلاءات ،لأن نهايته جنة عرضها السماوات والأرض قال تعالى :}أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214){ ]البقرة[
ويقول ابن القيم رحمه الله حاثا على الصبر والثبات في طريق الحق "يا مخنث العزم: الطريق تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، وتعرض للذبح إسماعيل ، ونشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى."
وقد شهد بثبات أهل الإيمان الأعداء قبل الأصدقاء ألم تر إلى أبي سفيان رضي الله عنه حين سأله هرقل ملك الروم عن أصحاب النبي (ﷺ): هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟! فقال وكان وقتها مشركاً : لا، قال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
فهذا عبد الله بن حذافة السهمي : ذكر ابن كثير رحمة الله وغيره ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث جيشا لحرب الروم وكان من ضمن هذا الجيش عبدالله بن حذافة رضي الله عنه…
طال القتال بين المسلمين والروم وعجب قيصر ملك الروم على ثبات المسلمين وجراتهم على الموت…
فأمر ملك الروم أن يحضروا له أسير من المسلمين فجاءوا بعبد الله رضي الله عنه..
فاحضروه رضي الله عنه والأغلال بين يدية والقيود في قدمية وأوقفوه أمام الملك وتحدث قيصر معه فاعجب
بذكائه وفطنته فقال له: تنصر وأطلقك من الأسر، فقال عبد الله : لا فقال قيصر : تنصر وأعطيك نصف ملكي فقال عبدالله: لا
فقال قيصر: تنصر وأعطيك ملكي وأشركك في الحكم معي ، فقال عبد الله : والله لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وملك العرب والعجم على ان ارجع عن ديني طرفة عين ما فعلت…
انظروا الإغراءات من ملك الروم والثبات من بطلنا عبدالله رضي الله عنه…
فغضب قيصر وقال: "اذن اقتلك" قال: "اقتلني" فامر قيصر جنوده، وعلق على الخشبة وجاء قيصر وأمر الرماة أن يرموا السهام من حولة ولا يصيبوه وهو
أثناء ذلك يعرض عليه النصرانية وهو يأبي وينتظر الموت..
فلما رأى قيصر إصراره أمر أن يمضوا به إلى السجن ففكوا وثاقة ومضوا به إلى السجن وأمر أن يمنعوا عنه الأكل والشراب حتى إذا كاد أن يهلك من الجوع والعطش احضروا له خمرا ولحم الخنزير…
فقال عبدالله: والله اني أعلم أني مضطر وأن ذلك يحل لي الآن في ديني ولكني لا أريد أن يشمت بي الكفار.
فلم يقرب الطعام فأخبروا قيصر فأمر له بطعام حسن ثم أمر أن تدخل عليه امرأة حسناء تتعرض له بالفاحشة…
فأدخلوا عليه أجمل النساء وجعلت تتعرض له وتتزين وهو رضي الله عنه معرض عنها وهي تتمايل امامه.
فلما رأت المرأة ذلك خرجت وهي غاضبة وتقول :"لقد أدخلتموني على رجل لا أدري أهو بشر أم حجر وهو والله يدري عني أأنا أنثى أم ذكر".
فلما يئس منه قيصر أمر بقدر من نحاس ثم أغلى فيها الزيت ثم أوقف عبدالله بن حذافة رضي الله عنه
أمامها وأحضروا أحد أسرى المسلمين موثقا بالقيود حتى ألقوه في هذا الزيت وغاب جسده في الزيت..
مات وطفت عظامة تتقلب على الزيت وعبدالله ينظر الى العظام…فالتفت قيصر إلى عبدالله ودعاه للنصرانية ، فأبى رضي الله عنه.
انظروا الثبات على الدين وعلى البلاء
فغضب قيصر فأمر أن يطرح على القدر فلما جروه إلى القدر وشعر بحرارة النار بكى رضي الله عنه ودمعت عيناه، ففرح قيصر.
قال له قيصر :" تنصر وأعطيك وأمنحك" فقال له : لا فقال :إذا ما الذي يبكيك ؟
فقال: أبكي والله لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تلقى في القدر فتموت ولقد وودت والله لي بعدد شعر رأسي نفوس كلها تموت في سبيل الله مثل هذه الموتة.
الله اكبر يا عبدالله رضوان الله عليك…
فقال له قيصر: قبل راسي وأخلي عنك فقال:" وعن جميع اسارى المسلمين عندك"
قال : "نعم" فقبل راسة ثم اطلقه مع الاسرى.
آسية امرأة فرعون :
وهذه آسية امرأة فرعون : كانت أعظم ملوك الأرض يومئذ ،في قصر فرعون أمتع
مكان تجد فيه المرأة ما تشتهى، فالمرأة في هذا المكان تكون أشد شعوراً وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته
ولكنها في وسط ضغط المجتمع والقصر، والملك، والحاشية والمقام الملوكي ،
رغم هذا كله إلا أنها رفعت رأسها إلى السماء وحدها في خضم هذا الكافر الطاغي ، فقد كانت الأوتاد توضع في يديها ورجليها فكانت تأتيها الملائكة لتظللها إذا افترقوا عنها "فقالت :{ربِ أبن لي عندك بيتاً في الجنة(11)}[ التحريم]فكشف الله لها بيتها في الجنة .. وهكذا أصبحت على مكانه عالية وسيدة نساء العالمين ...
2ـ الثبات في جهاد الكفار:
الثبات في المعركة كما ثبت الرّبيّون الكثير من أنبيائهم ، وكان قولهم : }رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا (147){ ]آل عمران[
والفئة الصابرة بإمرة طالوت الذين قال الله فيهم : }وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا(250) { ] البقرة[
قال تعالى } يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ (15)
وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ (16){ ] الأنفال[
وفي ذلك توجيه للمؤمن أن يلتجئ إلى الله طالبـًا منه التثبيت .
ولذلك كان من وصايا النبي (ﷺ) لمعاذ بن جبل :}وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس ، وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت{ ]رواه أحمد[ ؛
لأن الثبات يزيد المؤمنين قوة ، ويوقع في نفوس العدو رهبة وقد كان رسول الله (ﷺ) يعمّق هذا المعنى يوم الأحزاب وهو ينقل التراب وقد وارى التراب بطنه وهو يقول : }لولا أنت ما اهتدينا ، ولا تصدقنا ولا صلينا ، فأنزل السكينة علينا ، وثبت الأقدام إن لاقينا ، إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا{ ]رواه البخاري[ .
فها هو [خالد بن الوليد أبو سليمان] رضوان الله عليه يقارع الروم في أرضهم كما
روى [ابن كثير] حتى كانت الدائرة على الروم، فما كان منهم إلاّ أن فرُّوا وتحصنوا
في مدينة "قنسرين"؛ مدينة محصنة من مدنهم بالجدران المنيعة والأبواب الثقيلة التي لا يقتحمها مقتحم ، فماذا كان من خالد ؟
حاول اقتحامها فما استطاع، حاول أن يحاصرها حصارًا عامًا عسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا فما أفلح، استعصت عليه، فما كان منه إلا أن دوَّن رسالة، قال في هذه الرسالة قالها بثبات المؤمن الذي يثق بنصر الله جل وعلا قال: من خالد بن الوليد أبي سليمان إلي قائد الروم في بلدة "قنسرين" أما بعد فأين تذهبون منا؟
والذي نفس خالد بيده لو صعدتم إلي السحب لأصْعَدَنا الله إليكم، أو لأمْطَركُم علينا ".
كلمات الثقة بنصر الله عز وجل .
وصلت الرسالة إلى ذلك العلج، فقرأها وارتعدت فرائسه، وسقطت من بين يديه، وما كان منه إلا أن قال: افتحوا أبواب المدينة، واخرجوا مستسلمين، لا طاقة لنا بهؤلاء.
ما الذي ثبَّت خالدا إلا الإيمان؟ ما الذي ثبت جند الله إلا الإيمان؟ يوم أخذوه، وأخذوه بحق وبجدية.
3ـ الثبات في المرض:
كان حال أهل الإيمان مع المرض الصبر والرضا كما حكى الله تعالى عن سيدنا أيوب عليه السلام قال تعالى :} أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ
ٱلرَّٰحِمِينَ (83){ ] الأنبياء[
وكذلك أصحاب النبي (ﷺ) يروي ابن حجر في الإصابة أن عمران بن حصين
رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي شارك مع النبي (ﷺ) في الغزوات، استسقى بطنه فبقي نائمًا على ظهره طريح الفراش ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد، حفروا له في سريره -وكان من جريد النخل- حفروا له فتحةً لقضاء حاجته، فدخل عليه مطرِّف بن الشخير فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال له عمران: لم تبكي؟! قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة، قال: لا تبكِ فإنَّ أحبه إلى الله تعالى أحبُه إليَّ، ثم قال: أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفع به، واكتم عني حتى أموت، إن الملائكةَ تزورني فآنَسُ بها وتسلِّمُ عليَّ، فأعلمُ بذلك أن هذا ليس بعقوبة بل هو نعمةٌ جسيمة. هكذا فهموا معنى الإيمان والرضا بالرحيم الرحمن. يقولون: رضينا بالله صدقاً وحقاً.
وهذا عروة بن الزبير، فقد توفى ابنه وفاةً غاية في الصعوبة إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطِعت قدم عروة في نفس يوم الوفاة، فاحتار الناس على أي شيءٍ يعزونه.. على فقد ابنه أم على قطع رجله؟
فدخلوا عليه، فقال: اللهم لك الحمد، أعطيتني أربعة أعضاء، أخذت واحدًا وتركت ثلاثة ، فلك الحمد؛ وكان لي سبعة أبناء ، أخذت واحدا وأبقيت ستة ، فلك الحمد؛ لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت، أشهدكم أنِّى راضٍ عن ربي .
ويروى عن أبي بن كعب رضي الله عنه سيد القراء يقول للنبي (ﷺ) أإنا لنؤجر في الأمراض والحمى والمصائب؟
فيقول (ﷺ) كما في الحديث المتفق عليه "والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همٌّ ولا غمٌّ ولا نَصَب ولا وَصَب ولا بلاء حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه"
فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تبعدني عن صلاة ولا حج ولا جهاد، فمكثت به ثلاثين سنة حتى ابيض شعر رأسه ولحيته، وكان لا يجلس بجانبه أحد من شدة فيح الحمى، ليلقى الله ثابتًا بالإيمان، وهكذا يفعل الإيمان.
4ـ الثبات أمام الشهوات والشبهات:
ومن آثار الإيمان على حياة الناس أنه عصمة وحجاب عن المعاصي والشهوات والشبهات.
يقول رسول الله (ﷺ) كما في الحديث الصحيح :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" إن المؤمن يا أيها الأحبة يقدِّم مراد الله على شهواته وعلى لذائذه، فييسر الله أمره، ويعصمه سبحانه وبحمده. ففي الأثر أن الله -سبحانه عز وجل قال: "وعزتي وجلالي، ما من عبد آثر هواي على هواه أي قدم مراد الله على شهوات نفسه وهواها إلا أقللت همومه، وجمعت له ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واستجرت له من وراء كل فاجر" الإيمان عصمة من الوقوع في
المعاصي
ها هو الشاب القوي الحيِّي العالم، الذي يبلغ ثلاثين سنة؛ إنه [الربيع بن خُثَيْم]، يتمالى عليه فُسَّاق لإفساده، فيأتون بغانية جميلة، ويدفعون لها مبلغًا من المال قدره ألف دينار، فتقول: علام؟ قالوا: على قبلة واحدة من الربيع بن خثيم، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني؛ لأنه نقص عندها منسوب الإيمان، فما كان منها إلا أن تعرضت له في ساعة خلوة، وأبرزت مفاتنها له، فما كان منه إلا أن تقدم إليها يركض ويقول: يا أَمَة الله؛ كيف بك لو نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟ أم كيف بك يوم تقفين بين يدَيْ الرب العظيم؟ أم كيف بك إن شقيتي يوم تُرْمَين في الجحيم؟ فصرخت وولَّت هاربة تائبة إلى الله، عابدة زاهدة حتى لقِّبت بعد ذلك بعابِدَة الكوفة، وكان يقول هؤلاء الفُسَّاق: لقد أفسدها علينا الربيع. ما الذي ثبَّت الربيع أمام هذه الفتنة؟ هل قلة شهوة؟
إنها الشهوة العظيمة في سن الثلاثين، ومع ذلك ما الذي ثبته هنا، وما الذي عصمه بإذن الله؟ إنه الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو.
5ـ الثبات في أيام الفتن :
ومن صور الثبات في الفتن : الصبر في أيام الصبر التي وصفها رسول الله (ﷺ): }الصبر فيهنَّ مثل القبض على الجمر{ ]رواه أبي داود والترمذي[ ، وفي رواية : }يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه ، كالقابض على الجمر{ ]رواه الترمذي[، ومن ذا الذي يثبت قابضـًا على الجمر؟!
لذلك بشّر رسول الله (ﷺ) بأن الثابت من هؤلاء له أجر خمسين من الصحابة : }إن من ورائكم أيام الصبر ، للمتمسك فيهنَّ يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم{ ]سلسلة الأحاديث الصحيحة[.
وفي أشد ما يلقاه المسلمون من الفتن حين يخرج الدجال ويعيث يمينـًا وشمالاً ، فإن الوصية الأساسية لرسول الله (ﷺ)التي يوصي بها أمته حينئذٍ }يا عباد الله . اثبتوا{ ]رواه ابن ماجة[.
وهذا حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة والصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك رحمه الله يقول: لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء.
يقول: وإن الله لا بد أن يبتلي المؤمن، فإن صبر رفع درجته كما قال تعالى :
}الم(1)أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3){[العنكبوت].
6ـ الثبات على الطاعات :
ومن أهم صور الثبات المداومة على الطاعات ، فالمطلوب في بعضها المثابرة عليها ، يروي الترمذي : }من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتـًا في الجنة{ ]الجامع الصحيح[
وتقول عائشة رضي الله عنها عن رسول الله (ﷺ) }وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه{ ]رواه مسلم[ .
وعند مسلم كذلك : }وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته { ]رواه مسلم[
وحين سئل رسول الله (ﷺ): أي العمل أحب إلى الله؟ قال :} أدومه وإن قلَّ{ ]رواه مسلم[
وكان آل محمد (ﷺ) إذا عملوا عملاً أثبتوه .
يقول النووي : أي لازموه وداوموا عليه .
والقول الجامع لرسول الله (ﷺ) في بيان حقيقة الإسلام : إيمان وثبات :}قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك ، قال : قل آمنت بالله ثم استقم{.
7ـ الثبات عند الموت:ـ
من أعظم صور الثبات : الثبات في تلك اللحظة الأخيرة، في تلك اللحظة الحاسمة، في لحظة الموت العصبية المريرة التي لا يثبت فيها إلا المؤمنون، يوم يعتقل اللسان، ولو لم يعتقل لصاح الميت من شدة ما يلاقي من السكرات حتى تندك جدران الغرفة التي هو فيها، يوم يخدر الجسم، ولو لم يخدر لما مات أحد على فراشه، ولما مات إلا في شعب الجبال ورؤوس الجبال؛ من شدة ما يلاقي من السكرات. اللحظة التي صورها من عناها بأبي هو وأمي (ﷺ) يوم يغمى عليه ويصحو، ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات"، لحظة عاناها، وعاناها صحابة رسول الله (ﷺ) ووصفها أحدهم وهو [عمرو بن العاص] رضي الله عنه وأرضاه- فقال وهو في اللحظات الأولى من لحظات السكرات، لا زال لسانه لم يعتقل، ولا زال جسمه لم يخدر: والله لكأن على كتفي جبل رضوى، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما. في هذه اللحظات المريرة العصيبة يأتي أثر الإيمان واليقين، فيلهمك الله النطق بالشهادتين، ومن" كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلاّ الله دخل الجنة "على ما كان.
في تلك اللحظات يأتي المؤمنون فيسعدون بتلك اللحظات؛ لأنهم يعلمون أنها آخر
عناء، وآخر تعب، وآخر نَصَب، وآخر وصب، ليس هذا فحسب، بل تستقبلهم
الملائكة، بل تبشرهم الملائكة، فلا خوف ولا حزن قال تعالى: }إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا
ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ (30) نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ (32){ ] فصلت[
ها هو [عمر بن عبد العزيز] عليه رحمة الله- في سكرات الموت يقول: مرحبًا بالوجوه ليست بوجوه جن ولا إنس، ثم يطلب ممن حوله أن يخرجوا، وإذا به يقول: (تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ليلقى الله عز وجل على ذلك.
وأحدهم بلغت به سكرات الموت مبلغًا فيقولون له: قل: لا إله إلا الله، وهو من الصالحين، لا يزكى على الله، فكان يقول: }يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(27){ ] يس[ ليلقى الله على تلك الحال }يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يشاء(27){ ] إبراهيم[
يُحكى أن مؤذن اعتاد رفع الآذان من على المنابر كل يوم خمس مرات، يختمها بلا إله إلا الله، وفي تلك اللحظات الأخيرة من حياته يغمى عليه إغماءة مستمرة، فما كان يفيق إلا في وقت الصلاة، فإذا جاءت وقت الصلاة قام وأذن حتى يقول: لا إله إلا الله، ثم يعود إلى إغمائه، ويقولها مرة من المرات، يفيق من إغمائه ويقول: يا بني، وابنه معه، أحان وقت الصلاة؟
قال: نعم، فقال: الله أكبر، الله أكبر حتى ختمها بلا إله إلا الله، ليلقى الله على تلك الحال (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ) .
وفي المقابل تجد الذين لا إيمان لهم في تلك اللحظات، الذين لم تنضبط سلوكهم قد ضيق الله عليهم، وعسَّر أمورهم، وأوغر صدورهم، ثم لا يُلْهمون الشهادة ليختموا بها حياتهم.
فيا لها من سوء خاتمة، ها هو شاب في سكرات الموت، يقولون له: قل: لا إله إلا الله ولطالما دنَّس فمه بشرب الدخان فيقول: أعطوني دخانًا، فيقولون: قل: لا إله إلا الله، فيقول: أعطوني دخانًا، أعطوني دخانًا، فيقولون: قل: لا إله إلا الله علَّ أن يختم لك بها، قال: أنا بريء منها، أعطوني دخانًا، ليلقى الله على تلك الحال. نسأل الله حسن الخاتمة.
وشاب أخر: كان صادًّا ونادًّا عن الله جل وعلا وحلَّت به سكرات الموت التي لابد
أن تحل بي وبك، لا أدري أقريب أم بعيد؟
نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الختام، جاء جلاسه وقالوا: قل: لا إله إلا الله، فيتكلم بكل
كلمة ولا يقول لا إله إلا الله، ثم يقول في الأخيرة: أعطوني مصحفًا، ففرحوا واستبشروا وقالوا: لعله يقرأ آية من كتاب الله، فيختم بها، فأخذ المصحف ورفعه بيده، وقال: أشهدكم أني قد كفرت برب هذا المصحف، ثم يلقى الله على ذلك.
نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الختام (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ)